قراءة في كتاب التمييز بين الديني والثقافي في تدين المسلمين، للدكتور عبد الرزاق وورقية.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم خالد احليلي

 

*مع الانفتاح على قراءة الأستاذ منتصر حمادة

تعتبر قضية الخلط بين الديني والثقافي من الأمور التي تؤرق بال المفكرين والباحثين في العلوم الدينية، والإنسانية بصفة عامة، فقد تزايدت في السنين الأخيرة الماضية ظاهرة غريبة عن الدين الإسلام، ألا وهي الخلط بين ما هو ديني وما هو ثقافي في مجال التعبد، فالمسألة أصبحت تلقي بضلالها على مشكل الاندماج المنشود في الدول الغربية، كما أن اليمين المتطرف في فرنسا يجد فيها بيئة خصبة لاستغلالها إعلاميا من أجل مصالحه الانتخابية المناهضة لكل ما هو إسلامي، فهذا الخلط أصبح يُحمل الدين ما ليس منه، فهناك العديد من الأمور الثقافية دخلت الدين الإسلامي وهي ليست منه في شيء.

لأجل هذه الغاية جاء كتاب التمييز بين الديني والثقافي في تدين المسلمين للدكتور عبد الرزاق وورقية، لإزالة الإبهام وإيضاح الغموض فيما يتعلق بمسألة الخلط بين الأمرين، لا شك أنه كتاب مفيد للقراء وللجاليات المسلمة في الغرب، لماذا؟ لأنه يشتغل على ما يشبه الابتلاء الذي تعرضت له هذه الفئة مع ظهور بعض أنماط التدين الغريب عن المجتمع، أفضت إلى وقوع نسبة من هذه الجاليات المسلمة في الخلط بين كثير من الأمور المتشابهة، كخلطهم بين الأمور التعبدية الصرفة والأمور المعيشية اليومية العادية، وعدم تمييزهم بين الامتثال للتعاليم الدينية بقصد التعبد والأمور الحياتية المناقضة للقصد الشرعي.
صدر العمل ضمن سلسلة كراسات، عن مجلس الجالية المغربية بالخارج، الرباط، ط 1، 2020.

لقد قسم الدكتور عبد الرزاق وورقية عمله إلى ثلاثة مطالب رئيسة.

– المطلب الأول: خصصه للديني والثقافي: تحديد المفهومين، وفيه أولى الكاتب اهتماما كبيرا لتعريف مصطلح الدين ومعناه اللغوي والاصطلاحي، كما قدم الدكتور عبد الرزاق وورقية تعريفا للمصطلح عند بعض مفكري الإسلام، وبعض مفكري الغرب، ثم انتقل إلى تعريف السلوك الثقافي.
– أما المطلب الثاني: فقد تناول فيه الكاتب ضوابط كل من الديني والثقافي، فقدم كل واحد منهما في أربعة ضوابط.
– اما المطلب الثالث والأخير: فقد خصصه لمقتضيات التمييز بين الثقافي والديني في المنظومة الفقهية الإسلامية، فقدمه في أربعة مقتضيات أساسية.
– ثم أنهى الكاتب كتابه بخاتمة.

بالعودة إلى دراسة المحتوى الداخلي للكتاب، معلوم أن لكل أطروحة أو كتاب إشكالية كبرى يحاول صاحبها الإحاطة بها وتقديمها في قالب يجيب عن أهم الإشكالات الرئيسة فيها. فنظرا للبس الذي يقع فيه بعض مسلمي الغرب، بعدم تمييزهم بين ما هو ديني وما هو ثقافي في تدينهم، أي خلطهم بين الأمور الثقافية والأمور الدينية التعبدية، مما ينعكس عليهم سلبا ويخلق لهم مشاكل في مجتمعاتهم الغربية.

هذا الخلط أنشئت على أساسه فرق ومجموعات دينية عاثت فسادا من حيث لا تدري في عقائد المسلمين وسلوكهم الديني، ومن بين أنواع اللبس الخطير الواقع في التدين الإسلامي اليوم، وله وقع في تصرفات الناس، وتأثير سلبي مباشر على الدين، ذلك الخلط الجاري بين الأمور الدينية التكليفية وبين الأمور الثقافية العادية، حيث تم حمل الثانية على الأولى على أساس أنه منه ومن جنسه حسب الدكتور وورقية، وتم التشبث به والتضييق بواسطته على الناس، حتى أصبحت تلك المظاهر الثقافية العرفية جزءا من الدين، يتصارع المتدينون مع أهل الثقافات الأخرى على أساسه، ويستعملون الحجة الدينية في ذلك الصراع بصورة مسيئة للدين ولأهله، كما نقرأ لمؤلفه، عبد الرزاق وورقية.

يظهر هذا الخلط جليا عند بعض مسلمي المهجر في مجتمعات متعددة دينيا وثقافيا، حيث ينشأ صراع ثقافي ولكن بلباس ديني، وتتم الإساءة إلى دين الإسلام، ولاسيما عند الوافدين عن طريق الهجرة الذين يقع لهم خلط بحكم التربية الملقنة بين الثقافي والديني في تدينهم، كالتشبث ببعض السلوكات الثقافية على أنها دينية إسلامية كالسلوك الثقافي في اللباس، والهيئة والأكل والشرب، وطريقة العيش، وطريقة التدبير الأسري.

وعلى هذا الأساس، حاول الدكتور عبد الرزاق وورقية الاشتغال على فك الإشكال الواقع نتيجة عدم التمييز بين الثقافي والديني في السلوك الديني الإسلامي، وتصحيح مسار التعبد وفق مقاصد الدين الإسلامي، كما هو واضح من الأدلة الشرعية الثابتة، والتمييز بين القصد الشرعي، والأمر الثقافي العادي المسكوت عنه.

ففي المطلب الأول اشتغل الكاتب على مفهوم الدين، وخلص إلى أنه يمكن إطلاق لفظ “دين” على أي من المعاني السابقة، في سياقها التعددي، ولاسيما في المجتمعات المتسمة بالتنوع الثقافي والديني كالمجتمعات الأوربية والغربية، ذلك أنه لا يمكن إخراج أي نوع من تلك المجموعات الدينية من دائرة الدين، فلفظ الدين في القران الكريم جاء بمعاني متعددة، فالدين يعني الحساب والعادة والشأن، الجزاء والمكافأة، الطاعة، القضاء والحكم…
أما في اشتغاله على مفهوم الثقافة، فقد خلص المؤلف، انطلاقاً من مراجع غربية على الخصوص، إلى أن مفهوم السلوك الثقافي وفق تعريف بروديل السابق يتطابق إلى حد كبير مع مجموع الأعراف والعوائد بالمعنى المتداول عند مفكري الإسلام، فالنمط الثقافي العرفي يكتسح جميع المجالات الحياتية لمجتمع ما.

ليخلص الكتاب الى، أن الإسلام بوصفه، الدين السماوي، البالغ إلينا بالمعجزة والتواتر، لم يكن يوما من الأيام معرقلا للفعل الحضاري، بل بالعكس من ذلك كان منشئا لحضارة مستقلة بذاتها ابتدأت بالأمر بالتعلم “اقرأ”، واستمرت بأوامر الاعتبار في الكون والتفكر والتعلم والحجة والحكمة. وساهمت من جانبها في تطور الحضارة الإنسانية، وقد شهد بهذا العقلاء من الناس شرقا وغربا ومن لدن جميع الأمم، وعليه، لا يليق بالمسلمين اليوم الالتفات إلى دعاوى التعارض والتضاد المفتعلة بين الدين والرقي الإنساني الحضاري، لأن الانشغال بذلك ضرب من التفاهة والسفاهة الفارغة حسب الكاتب.

اعتقد أن من اللازم على مسلمي الغرب التمييز وعدم الخلط بين أمرين مهمين، السياق العربي الإسلامي والسياق الغربي، حيث الأول يغلب عليه الطابع الإسلامي والثقافة الإسلامية، أما الثاني فيغلب عليه الطابع العلماني المسيحي، فيلزم فيه التعايش والتساكن على أساس القبول بالتعدد والتنوع الديني والثقافي، وليس من المنطق تقييم الاعتقادات والتصورات والحكم عليها بالخطأ والصواب عندما يتعلق الأمر بالتعايش مع الآخرين المخالفين في الدين، ولنا في تاريخ الحضارة الإسلامية من النماذج التي لا تعد في التعايش وقبول الأخر المختلف عنا عقائديا.

*طالب باحث بسلك الدكتوراه، الفكر والعقيدة ومقارنة الأديان.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...