بقلم : عزيز لعويسي
حمى ارتفاع الأسعار قسمت المغاربة إلى فرق وشيع ومذاهب، البعض يطالب رئيس الحكومة بالرحيل والبعض الآخر يحاول تشغيل محرك المقاطعة من جديد، والبعض الثالث تغنى ويتغنى بما رفع في سياق 20 فبراير من شعارات ومطالب سياسية واجتماعية، والبعض الرابع اختار الاحتجاج والتعبير عن مشاعر الغضب في الشوارع والأسواق، والبعض الخامس يئن في صمت ويكتفي بتحمل حمى الأسعار وارتفاع مستوى العيش، لكن، إذا كنا نقر أن الوضع الاجتماعي بات مقلقا في ظل اشتداد لهب الأسعار وسيادة الجفاف، نرى في ذات الآن أن الأزمة الاجتماعية القائمة ليست وليدة الحكومة الحالية التي لازالت في أشواطها الأولى، بل هي امتدادا لما نزل في ظل الحكومات السابقة من سياسات وما اتخذ من قرارات لاشعبية، ضربت القدرة الشرائية في الصميم، بعدما تم التجرؤ على صندوق المقاصة والجنوح نحو تحرير الأسعار والإصلاحات المشؤومة التي طالت نظام التقاعد، وتواضع قنوات الحوار الاجتماعي وغياب سياسات عمومية حقيقية قادرة على كبح جماح الفقر والبؤس والهشاشة والارتقاء بمستوى عيش السكان، وعدم توفر تلك الإرادة الحقيقية القادرة على استئصال شوكة الريع وأخواته والتصدي لأورام الفساد بكل تمظهراته.
ما هو ثابت ومؤكد، أن الأزمة الاجتماعية “وصلات إلى العظم” شاء من شاء وأبى من أبى، وشعارات الفيسبوك ونداءات المقاطعة ومشاهد الاحتجاج التي برزت هنا وهناك، بقدر ما نتقبلها اعتبارا لواقع الحال الاجتماعي، بقدر ما ندين أي استغلال غير مسؤول للوضعية الاجتماعية القائمة، لتصفية الحسابات السياسية الضيقة ما ظهر منها وما بطن مع الحكومة ورئيسها، ونرفض ما يكتب أو يرفع في العالم الافتراضي من شعارات فاقدة للتبصر والمسؤولية لا تستند لأي أساس واقعي أو موضوعي، وفي هذا الإطار، وبعيدا عن المواقف الجاهزة والشعارات “الطوباوية”، وبمعزل عن خطاب الشعبوية والنقد الهدام، من غير المقبول سياسيا وحتى أخلاقيا، أن تتم إدانة حكومة لازالت في مراحلها الأولى أو المطالبة برحيل رئيس حكومة لم تتجاوز قيادته للتجربة الحكومية عتبة الستة أشهر، ومن القساوة أن نحمل هذه الحكومة الجديدة وزر أزمة اجتماعية خانقة تتحكم فيها عوامل متعددة الزوايا، بعضها يرتبط بالمتغيرات الدولية المرتبطة بالجائحة العالمية وما أفرزته من تداعيات جانبية اقتصادية واجتماعية.
لكن في ذات الآن، فالحكومة التي طالما تغنت بهويتها الاجتماعية، لايمكن قطعا أن تلعب دور “الكومبارس” أو تقف في صفوف المتفرجين، بمبرر أن ما يحدث من ارتفاع في الأسعار أو غلاء في مستوى العيش، يعزى إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية على المستوى الدولي، أو تتعامل مع المطالب والشعارات بنوع من التحقير أو الاستخفاف أو التجاهل أو بالعزف على وثر المؤامرة، وبالتالي، فهي مطالبة أكثر من أي وقت مضى أن تتحمل مسؤولياتها السياسية ليس فقط في الاستماع إلى نبض الشعب، بل واستشعار المخاطر المحتملة لأي انزلاق اجتماعي غير متحكم فيه على التماسك الاجتماعي والنظام العام على حد سواء.
وعلى خلاف الكثير ممن رفع ويرفع شعارات ” أخنوش _ارحل”، أو أشهر سلاح “المقاطعة” في وجه الرجل، نؤكد أننا لسنا أمام لعبة إلكترونية يتم التحكم فيها عن بعد حسب الأهواء، حتى نطالب برحيل رئيس الحكومة وتعويضه بشخص آخر، نحن في دولة قانون ومؤسسات، ولا يمكن إلا أن نلتزم شئنا أم أبينا بقواعد الديمقراطية وبنتائج الانتخابات الأخيرة التي أوصلت عزيز أخنوش ومن معه إلى قيادة الحكومة، ولايمكن إلا أن نترك ما يلزم من الوقت للحكومة ورئيسها، حينها سيكون هناك “مبرر موضوعي” للنقد والقصف والاحتجاج المسؤول، بل وحتى للمطالبة بالرحيل واللجوء إلى خيار انتخابات جديدة إذا ما كانت المصلحة العامة تفرض ذلك، ما لم تحضر القدرة على تقديم الحلول الممكنة القادرة على كبح جماح الأزمة الاجتماعية المستشرية والارتقاء بمستوى المعيش اليومي للمواطنين، وإعادة الثقة لكل من وضع ثقته في الحمامة وراهن عليها بحماس لتكون البديل المناسب بعد السقوط المدوي للمصباح.
الجماهير الغفيرة التي خرجت إلى الشوارع احتجاجا على ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، وما شهده سوق الأحد بضواحي القنيطرة من سرقة ونهب للخضر والفواكه ورشق للشاحنات بالحجارة، وما يعتري المشهد التعليمي من أجواء الاحتقان، كلها مؤشرات من ضمن أخــرى، وإن اختلفت ظروفها وأزمنتها وأمكنتها وأطرافها، فهي تشكل مرآة عاكسة لأزمة اجتماعية باتت مقلقة، معبرة عما بات يتقاسمه المغاربة من أحاسيس الرفض واليأس والإحباط وفقدان الثقة في الحكومة وفي العمل السياسي برمته، وهذا الواقع الاجتماعي، هو رسالة مكشوفة موجهة إلى حكومة التحالف الثلاثي وخاصة إلى رئيسها عزيز أخنوش، الذي لابد له أن يلتقط بصدر رحب إشارة من طالبوا برحيله، وأن يدرك أن النجاح في هذا الامتحان العسير، يمر قطعا عبر حسن الاستماع إلى نبض الشعب بدون خلفيات مسبقة، ويستشعر تداعيات الأجواء الاجتماعية القائمة على السلم الاجتماعي والنظام العام وعلى صورة المغرب في الخارج، والمضي قدما في اتجاه تقديم تدابير استعجالية قادرة على التخفيف من محنة شرائح عريضة من المغاربة من ذوي الدخل المتوسط والضعيف، والإسراع بفتح قنوات الحوار الاجتماعي مع الفاعلين الاجتماعيين، بما يضمن الرفع من الأجور في القطاعين العام والخاص في أفق فاتح ماي القادم، حماية للقدرة الشرائية التي تضررت كثيرا في ظل الارتفاع المهول في الأسعار وغلاء مستوى العيش، والمضي قدما في اتجاه كبح جماح الريع بكل تمظهراته، وحماية المال العام من أيادي العابثين من الوصوليين والانتهازيين والمنحطين، الذين يكرسون مجتمع اللاعدالة ويعمقون بؤر اليأس وفقدان الثقة في الدولة والمؤسسات.
وفي هذا الإطار، وعلى غرار التدابير الاستعجالية التي تم تنزيلها تنفيذا لتعليمات الملك محمد السادس لدعم الفلاحين بسبب تداعيات الجفاف السائد، تبقى الحكومة مدعوة لتنزيل ما تراه مناسبا من التدابير الاجتماعية لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، وإيجاد الحلول الممكنة لحمى الأسعار التي تعمق من بؤر الفقر والهشاشة، وتقوي أحاسيس اليأس والتذمر والإحباط وفقدان الثقـة، وإذا قيل “رب ضارة نافعة”، فنرى أن الأزمة الاجتماعية القائمة قد تكون مفيدة لرئيس الحكومة وطاقمه الوزاري، للخروج من أحلام الحصاد الانتخابي الذي كرس مشاعر العظمة والأنانية والإقصاء والاستقواء والكبرياء لدى البعض، والانخراط الفعلي في تنزيل سياسات عمومية عاكسة لنبض المواطنين ومعبرة عن تطلعاتهم وانتظاراتهم اليومية، وإذا كانت هذه الحكومة قد رفعت مبكرا شعار “الحكومة الاجتماعية”، فهذا الشعار لن يكون إلا شعارا “خارج النص”، ما لم يكــن قوة دافعة لخدمة المجتمع وتحقيق التنمية البشرية الشاملة، وتذويب جليد اليأس والإحباط والاحتجاج.
عسى أن تلتقط الحكومة الإشارة وتستوعب الدرس، وتدرك أن في “الامتحان يعز المرء أو يهان”، وتنتبه إلى أن المصباح توهج طيلة عقد من الزمن، لكن سقوطه كان سقوطا مدويا لا أحد كان يتوقع قوته ومداه، والشعب الذي أطلق العنان للحمامة وسمح بتحرك عجلات الجرار ومنح الفرصة للميزان، يتملك سلطة الرفض والادانة والعقاب، عسى أن تكون الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش في مستوى الثقة الملكية السامية وفي مستوى تطلعات المغاربة قاطبة، وفي مستوى ما ننتظره من رهانات تنموية كبرى وما نواجهه من تحديات مرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة … وفي خاتمة المقال، نطالب ألا يرحل “عزيز أخنوش” خلافا لما ردده ويـردده البعض، نريده أن يتحمل مسؤوليته كاملة أمام الملك والشعب، نريد أن نمنحه الوقت كافيا بالتمام والكمال، لنرى إلى أي حد سيكون وفيا لما قدمه للمغاربة من وعود والتزامات انتخابية، وإلى أي مدى كان صادقا مع نفسه ومع المواطنين لما تبنى شعار” تستاهلو أحسن”، نريد أن نمنح الرجل فرصة الدفاع والترافع، حينها يكـون للتنديد معنى وللهجوم مغـزى، ما لم يكن في الموعد وينجح في الامتحان عن جدارة واستحقاق …





