كيف استعدّت روسيا للعملية العسكرية الخاصًة في أوكرانيا؟

 

 

 

 

 

غسان الاستانبولي

 

 

من الواضح أن القيادة الروسية قرأت بشكلٍ دقيقٍ ما يُرسم لروسيا وللعالم، لذلك ومنذ الانقلاب الأوكراني المدعوم أميركياً في عام 2014م، والذي أوصل فولوديمير زيلينسكي إلى رئاسة أوكرانيا، لم تضيّع هذه القيادة وقتاً، وبدأت بالتحضير لعمليةٍ عسكريةٍ ترى أن لا بُدّ منها لوقف ما تمّ رسمه، ولأن الأخطر فيما خُطّط له من قِبل أعداء روسيا هو أن يقوموا بتمديد سيطرتهم العسكرية لتصل إلى دولٍ تجاورها، وذلك بضم هذه الدول لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، لذلك كانت الخطوة الروسية الأولى والأهمّ هي وقف تمدّد الناتو ولو بالقوّة العسكرية.

فكيف استعدّت روسيا لذلك؟

• في شهر آذار/مارس عام 2014م، وفي خطوةٍ أقامت الغرب ولم تقعده، قامت روسيا بانتزاع شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستبول من أوكرانيا، كونهما كانتا من مكونات الإتحاد السوفييتي السابق، ومن ثم دمجتهما في منطقة اتحادية واحدة خاضعة للحكم الروسي، وتكمن أهمية هذه المنطقة كونها تحتوي ميناء سيفاستبول الإستراتيجي، والذي يُعتبر تاريخياً موطن أسطول البحر الأسود الروسي وهذا ما يجعل يد البحرية الروسية هي الأعلى في أيّ نزاع عسكري.

• لكي لا يكون تأثير روسيا العسكري مُقتصراً على حدودها، كان لا بدّ من أن تتواجد عسكرياً في البحر الأبيض المتوسط، وربّما كان هذا هو الدافع الأول لكي تكون موجودة في سوريا أرضاً وبحراً وجواً، بالإضافة لدافعٍ آخر هو دعم صمود الدولة السورية، وعندما اتخذت روسيا قرار الحرب استبقت أيّة خطوةٍ قد يتخذها حلف الناتو عبر تركيا بإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام عبور سفنها، فدفعت إلى مياه المتوسط بعشرات القطع البحرية المقاتلة بما فيها سفينة إنزال عملاقة، وبعشرات الطائرات، بما فيها الطائرات الإستراتيجية “تو 142” و “تو 160″، وذلك تحت عنوان القيام بمناوراتٍ عسكريةٍ، ولكن الهدف الأساسي هو منع الولايات المتحدة الأميركية من أن تدفع الدول الأوروبية لمواجهة عسكرية مع روسيا وتبقى هي متفرجة في الصفوف الخلفية، وبهذه الخطوة الروسية أصبحت كافة القواعد البحرية الأميركية في البحر المتوسط تحت نيران المُدمرات الروسية.

• في شهر شباط/فبراير الفائت قام الرئيس الروسي بزيارة إلى الصين للمشاركة في افتتاح دورة الألعاب الأولمبية، وخلال هذه الزيارة قام الطرفان بالتوقيع على مجموعةٍ واسعةٍ من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، أهمها توريد النفط والغاز الروسيين إلى الصين، وبذلك سحبت روسيا ورقة الاستغناء الغربي عن هاتين المادتين في حال قررت الدول الغربية معاقبة روسيا بوقف استيرادهما، ومن الواضح أن هذه المجموعة من الاتفاقيات لم تكن نتيجة عمل فترةٍ قصيرةٍ، بل إنها نتيجة عمل لشهورٍ وربّما لسنوات، وظهر جلياً خلال هذه الزيارة أن التنسيق والتناغم الخفي والمُعلن بين الدولتين هو أمرْ قديمٌ ومعمولٌ عليه بشكلٍ جيد.

• تحضير المجتمع الروسي لهذه الحرب، ولاسيًما أن التقارير الأميركية كانت تقول إن هذا المجتمع سينتفض في وجه قيادته بذريعة أنها تقوده لحرب عبثية ستؤدي إلى تجويعه، وبلا شكٍّ أن الأميركي ومن معه كان يراهن على مجموعاتٍ داخل روسيا ستعمل على تحريض الشارع، ولكن الذي حصل عكس ما سعوا إليه، ويُحسب للرئيس بوتين الطريقة الواضحة والودية التي خاطب بها جمهوره قبل الحرب، مُستعملاً عبارات كان لها مفعولها القوي، مثل “كذبوا علينا” و”بصقوا علينا” وهو يعرف مدى تأثير مثل هذه العبارات على شعبٍ يضع كرامته فوق كلً اعتبار.

• وهنا لا بدّ من المرور على الأحداث الانقلابية التي تعرضت لها دولة كازخستان في شهر يناير/كانون الثاني من العام الحالي، والتي رأت فيها روسيا مُخطّطاً غربياً أميركياً تركياً يهدف إلى جعل كازخستان أوكرانيا ثانية، مما دفع روسيا لقيادة دول معاهدة الأمن الجماعي، للتصدي لهذه المحاولة وإخمادها بحزمٍ وبسرعةٍ.

• وبطبيعة الحال فهناك العديد من خطوات التحضير الأخرى التي بقي معظمها سرّياً، وخاصّة العمل الاستخباراتي، كذلك تطوير وتجريب الأسلحة، وتحصين البنك المركزي الروسي، وما إلى ذلك من خطوات.

قد يقول قائلٌ هنا بأن الولايات المتحدة الأميركية هي الرابح الوحيد في هذه الحرب، كونها تقود من الخلف وبوسائط غيرها المادية والبشرية، وهذا صحيح على المدى القريب، أمّا على المديين المتوسط والبعيد فخسارة الولايات المتحدة الأميركية ستكون حتمية وقاسية، وستبدأ هذه الخسارة بفقدان الثقة العالمية بها كحليفٍ يمكن الاستناد عليه والوثوق به، وبالتالي ستجد دول العالم أن مصالحها يجب أن تكون محمية من دولٍ قويةٍ وذات مصداقية، وهذا ما سيدفعها إلى تغيير تحالفاتها، سيّما في ظلّ العقوبات التي فرضها قادة تلك الدول على روسيا والتي لن يكون تأثيرها محصوراً بروسيا بل سيرتد على الدول الأوروبية والمجتمع الأوروبي، كذلك من المُتوقع أن يكون للعقوبات الأميركية المفروضة على روسيا ارتداداً واسعاً وعميقاً على المجتمع الأميركي، مع ما يتبعها من عقوبات مُضادّة ستفرضها روسيا، كل ذلك في ظلً وجود بوادر انقسامٍ حادٍ وعنفي ظهر جلّياً في هذا المجتمع خلال وبعد الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة.

في الختام، وتماشياً مع منطق الأمور:

• بات واضحاً أن الأميركي يُراهن على مجموعات من النازيين الجدد داخل أوكرانيا، “جماعة بانديرا”، ويسعى لرفدهم بالمرتزقة وبالسلاح المُتطور، على غرار ما حدث في سوريا، فهل ستستفيد روسيا من تجربتها في سوريا وتحسم هذا الملف بسرعةٍ وبقوةٍ لكيلا تدخل في متاهةٍ يصعب الخروج منها.
• هل أقترب الحسم الصيني لملف تايوان، وذلك بعد أن أضحى واضحاً ضعف الإدارة الأميركية في مثل هذه الأزمات؟
• هل حان وقت وصول قطار الثورات الملونة إلى الولايات المتحدة الأميركية؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...