الحرب الروسية الأوكرانية: هل هناك استهداف للدول النفطية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*نعيمة عبد الجواد

 

التاريخ متاهة كبرى؛ فهو عبارة عن حلقات مفرغة «زنبركية» التركيب، تتوالى في منظومة ثابتة وئيدة، بصورة لا نهائية. وعلى هذا، تتكرر أحداث ومواقف التاريخ بنفس الشكل والمضمون، وإن كان الاختلاف هو تبايُن العصور والأزمنة. وبما أن لكل عصر أولوياته وظروفه، يختلف ترتيب الأحداث. ولكن في النهاية، تكون النتيجة واحدة دون أي اختلاف.
وبنظرة خاطفة موضوعية على الحربين العالميتين الأولى والثانية، نجد أن أطراف الصراع تنقسم تبعًا لمنهاج بات مفهومًا، تحدده بداية يظنها الجميع صراعا محليا، لكنه سرعان ما يتحوَّل لحرب عالمية كبرى تغيير محددات الحقبة الزمنية التي تليها؛ لأنها تطال جميع دول العالم بلا استثناء حتى المحايدة منها. ولعل الحرب الروسية الأوكرانية هي خير مثال في العصر الحديث.

اندلعت الحرب الأوكرانية الروسية في 24 فبراير 2022 لأسباب شديدة المحلية؛ فأوكرانيا تحاول أن تركب الموجة بالانضمام لمعسكر الغرب؛ حتى تنال نصيبها من الحداثة والتحالفات. في حين روسيا تحاول الدفاع عن سلامة أراضيها وأمنها القومي؛ فهي ليست راضية عن وجود دول غير حليفة في عمق أراضيها – غير المحمية جغرافيًا – توجِّه رؤوس صواريخ حلف الناتو لها. فبالنظر لوضع أوكرانيا جغرافيًا، فحدودها تتداخل العمق الروسي، وكذلك هي المنفذ الوحيد لروسيا على موانئ المياه الدفيئة. وعلى هذا، كانت تَعتَبر روسيا التكامل مع جمهورية أوكرانيا المستقلة حديثًا والتعاون معها أمر لابد منه، وما غير ذلك يعد تهديدا للأمن القومي. ومن الملاحظ أن مطالب كلا الدولتين مشروعة، لكن التنفيذ يولد كوارث فادحة.
وما أشبه اليوم بالبارحة، فعند إعادة النظر فيما حدث منذ مائة عام تقريبًا، وتحديدًا في 28 يونيو عام 1914 عندما قُتل الأرشيدوق «فرانز فرديناند» ولي عهد النمسا عند زيارته لسراييفو، وكان مقتله السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى، بالرغم من أن زيارته كانت ودِّية، وأنه هو نفسه كان لا يشبه أسلافه من حكّام الإمبراطورية النمساوية المجرية، بل كان راغبًا في إصلاح الحياة السياسية في الإمبراطورية المتهالكة. وبالمثل كان القاتل الذي ينتمي لجماعة «اليد السوداء» يدافع عن قوميته «الصربية» وراغبًا في استقلالها. ولم تكن تلك الحادثة الشديدة المحلية مبررًا أبدًا لانقسام العالم لمعسكرين متخاصمين أرغما العالم أكمله على تجرُّع ويلات حرب ضروس. فالسبب الحقيقي لقيام تلك الحرب الكبرى كان شبه مدبَّر؛ فأطراف الصراع الدخيلة تسعى إلى إسقاط الإمبراطورية العثمانية المتهالكة، والتي كانت يطلق عليها اسم «رجل أوروبا المريض». وبغض النظر عمَّا طال جميع الأطراف المتناحرة من خسائر في الأرواح وخسائر اقتصادية على المدى القريب، لكن المكاسب المادية الكبرى على المدى البعيد كانت مُجزية لدرجة أنّ قامت نفس الدول باختلاق صراع جديد أفضى لحرب عالمية ثانية كانت أهم مكاسبها التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يرفل فيه العالم في الوقت الحالي.

وما آل إليه التشكيل العالمي مع بداية الألفية الثالثة صار غير مُرض على الإطلاق للأطراف التي تُوِّجت بالانتصار مسبَّقًا منذ نحو مائة عام. فالمعسكر الغربي بأكمله شديد التهالك؛ حيث ينخر في عظامه سوس الوهن الاقتصادي وتفاقم المشكلات الداخلية. وفي نفس الوقت، فرضت الصين نفسها على الساحة الدولية كقوة اقتصادية ضاربة شديدة الثبات، وبيدها تقبع أعناق أقوى اقتصادات العالم. في حين أن الدب الروسي بدأ يقف على قدميه بقوى راسخة بعد تغلُّبه على محنة تفسُّخ جمهورياته التي تركته يعاني الفقر والفساد.

أضف إلى ذلك، استطاع ركب قطار التكنولوجيا المتطورة مرة أخرى بعدما استفاق كبوته، وبدأ مرحلة جديدة من حرب باردة من شأنها توجيه ضربات موجعة للمعسكر الغربي بأكمله في أهم مجالي القوى في العصر الحديث؛ ألا وهما: الطاقة والتكنولوجيا.

لكن لم ينتظر المعسكر الغربي الدب الروسي ليحطِّم روحه المعنوية مرة أخرى بالتفوُّق عليه تكنولوجيًا، كما حدث إبَّان الحرب الباردة الأولى، والتي نهضت روسيا خلالها تكنولوجيًا بسبب نصيبها من تركة ألمانيا المهزومة. وبعدها، قامت بتسديد ضربات موجعة لخصمها الأمريكي من خلال تطوير العديد من الصواريخ العابرة للقارات والصواريخ النووية، ثم إطلاق أول قمر صناعي، تلاها الصعود للفضاء والهبوط منه لمرات عدَّة. وفي أثناء ذلك، كان الجانب الأمريكي يحاول اللحاق بهم بشتى الوسائل إلى أن أحرز التفوُّق بعد إنتهاء الحرب الباردة مع تفكك الإتحاد السوفياتي.

وبعيدًا عن العقوبات الاقتصادية التي يمكن التغلُّب على تبعاتها فيما بعد، كانت أهم العقوبات الموجعة حقَّا هي سحب الشركات الأجنبية وخاصة الأمريكية منها العاملة في المجال التكنولوجي من روسيا التي أظهرت مؤخرًا تفوُّقًا شديدًا تبدى في القرصنة الروسية على أعتى الشركات والمرافق الأمريكية. فالحصار التكنولوجي لروسيا سوف يحرمها من الحصول على الرقائق الإلكترونية شديدة التطوُّر والتعقيد التي لا تصنِّعها إلا الولايات المتحدة فقط. ومع إيقاف استيراد تلك الشرائح، لن تتمكن روسيا من إتمام نظامها الدفاعي الجديد شديد التطوُّر، ولسوف ينعكس هذا بالتبعية على باقي مظاهر الحياة التكنولوجية بها، وخاصة في مجال أبحاث الفضاء، علمًا بأن روسيا استخدمت تعاونها مع الغرب في هذا المجال كسلاح؛ لوقف ضغوطهم عليها.

أما بالنسبة لسلاح الطَّاقة الذي تستخدمه أيضًا روسيا، فلقد بات زائلا؛ لاستعداد أوروبا بوقف استخدام الطاقة الأحفورية بحلول عام 2030. وكانت قمة المناخ إشارة ضمنية لذلك. ومصادر الطاقة الجديدة قائمة أيضًا على التطور التكنولوجي. ومن ثمَّ، لسوف تكون سلاح الغرب الجديد لتوجيه ضربات موجعة لكل القوى الناشئة التي تهدد كيانه. فالصين راسخة الأركان لن تستطيع بسهولة مجاراة تبعيات استبدال الطاقة على المدى القريب. وأمَّا دول الخليج المصدرة للنفط، فبالرغم من نجاحها مؤخرًا في تنويع مصادر الدخل، لكن لا يزال النفط عماد النشاط الاقتصادي. ومعارضة دول الخليج لمخططات الغرب الذي لم يسانده مؤخرًا، قوبل بتصريح ألمانيا بخطتها على الاعتماد على مصادر طاقة بديلة بحلول عام 2027.

التفوُّق التكنولوجي ومصادر الطاقة النظيفة هما سلاح حديث بدأ بالفعل الغرب في استخدامه ضد القوى الناشئة التي أضعفت هيمنته مؤخرًا. واعتبار خسائر المدى القريب التي يتكبَّدها الغرب لإحداث تلك الطفرة، خطأ فادح؛ فالنتائج هي هدفه، ولعل المكاسب التي انبلجت عن الحربين العالميتين الأولى والثانية خير شاهد ودليل.
يشهد العالم في الوقت الراهن متغييرات جذرية تستخدم الآلة الإعلامية كستار حديدي يخفي بها أهداف المدى البعيد الماكرة، التي هي بمثابة طابة بلياردو قادرة على إسقاط كل القوى التى تعرقل مجراها في جراب عميق يصعب الخروج منه.

*أكاديمية مصرية

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...