معاوية الغرب وبسمارك العرب: أحلام الوحدة والسلطة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*نعيمة عبد الجواد

 

 

غريب أمر تاريخ البشرية. فالاعتقاد أن لكل مرحلة تاريخها وحكايتها هو أمر يحيد عن الصواب بعض الشيء؛ والدليل على ذلك مقولة أن «بفهم الماضي يسهل فهم الحاضر» وهي نقيض لسابقتها. والعجب أن كليهما صحيح؛ نظرا لأن التاريخ عبارة عن حلقات تتكرر في إطار «زنبركي» لا نهائي، وبالتالي تتكرر فيه الأحداث، ونفس الشخصيات بنفس الطموحاتها. لكن نفس الشخصية قد لا تتكرر في المكان والبيئة عينهما، بل تنتقل عبر الأزمان والأماكن كما لو كانت تسير وفق عملية لتناسخ الأرواح.

ومن المدهش وجود شخصيتين متطابقتين ليس فقط في التفكير والطموح وخطط تنفيذ المآرب، بل أيضًا في الخصائص الجسدية، وإن وجدت بعض الاختلافات الطفيفة حتى يتناسب مضمون الطموح مع البيئة والعصر؛ وفي هذا تكمن نقاط الاختلاف. ومن أشهر الشخصيات التي غيَّرت تاريخ أمم كانت هشَّة الجدار بعض الشيء ومن خلال الدهاء الفذ عبرت لمصاف القيادة كان القائد العربي وأول خليفة ومؤسس للدولة الإسلامية «معاوية بن أبي سفيان» والزعيم السياسي ورجل الدولة الألماني الملقَّب بالمستشار الحديدي «أوتو فون بيسمارك».

ولد «أوتو فون بيسمارك» (1815-1898) في بداية القرن التاسع عشر بالمملكة البروسية آنذاك، وتحديدًا في مقاطعة غرب برلين. وينحدر بيسمارك من عائلة من النبلاء؛ كان والده يعمل ضباطًا بالجيش البروسي، بالإضافة إلى كونه إقطاعيًا. وأما والدته، متعلمة وشديدة الثقافة. وفي ظل تلك الأجواء، ترعرع بيسمارك محبًّا للحياة العسكرية، وشديد التعليم والثقافة؛ وكان يتقن اللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والبولندية والروسية. أضف إلى ذلك، امتلاكه لموهبة التحدُّث اللبق والشخصية الكاريزمية الساحرة، مما مكَّنه من الترقِّي في السلك السياسي في ريعان شبابه. وتقلَّد وهو في الثاني والثلاثين من عمره منصب الممثل التشريعي للقانون البروسي. وأما عمره الطويل نسبيًا (83 عامًا) مكَّنه أيضًا من إحراز انطلاقة في السلك السياسي، وتحقيق انتصارات تخلِّد اسمه حتى الوقت الحالي. وأقوال بيسمارك جميعها تتميَّز بشدة الحكمة والدهاء لتشديدها على وجوب الحذر لتحقيق أكبر المكاسب على أرض الواقع.

وأما معاوية بن أبي سفيان (602-680م) والذي يفصله عن بيسمارك نحو الثمانية عشرة قرنًا والنصف، فهو أيضًا ينحدر من سلالة نبيلة من سادة مكَّة، ويلتقي نسبه مع الرسول، وكانت أمُّه «هند بنت عتبة» عبشمية قرشية؛ فوالداه من سادة القوم الأثرياء ذوي الفكر الرشيد. ومنذ حداثة عمره، تعلَّم معاوية كيفية التعامل مع الآخرين، وصار خطيبًا مفوَّهًا ذا فكر فصيح، ينأى بنفسه عن الوقوع أو المساس بالمشكلات، حتى ولو أدناها. وكان والداه منذ نعومة أظافره يتنبؤون له بمستقبل واعد يكون فيه ليس فقط سيد قومه، بل سيِّد سادة العرب. وكان ينظر إليه عمر بن الخطاب قائلا«هذا كسرى العرب» نظرًا لرجاحة عقله ومخططاته الواعية، ناهيك عن حِلمه وسعة صدره. وكان معاوية وسيما وأبيض اللون وطويل القامة ومهيب الهيئة، على نحو يشابه كثيرًا ما كان عليه «بيسمارك». وظهرت حنكة معاوية واحترافه الديبلوماسية والسياسة منذ أن استشف تغيير المناخ السياسي بظهور الدعوة الإسلامية. فلقد أسلم والديه علانيةً بعد فتح مكّة، وأما معاوية فلقد روى أنه أسلم منذ بداية الدعوة، وكتمها في صدره حتى لا يثير مشكلات بينه وبين قبيلته ووالديه. واستطاع معاوية بدهائه أن يصير أحد أصحاب الرسول بأن انتقل من مرتبة المؤَّلفة قلوبهم إلى أحد الكتَّاب لرسولِ الله وأحد رواة الأحاديث النبوية. فمهد له إخلاصه في الدعوة وفطنته ودهاؤه استعمال أبو بكر له وهو في مقتبل عمره في قيادة جيش إمداد لأخيه «يزيد بن أبي سفيان» ثم صار غازيًا تحت إمرة أخية. وبأمر من الخليفة أبو بكر فتح الشام مع أخيه. حينئذٍ، علم معاوية أن الشام هي قبلته. فوطَّد مكانته هناك وعظَّمها بعد موت أخيه؛ فبعد أن كان واليًا على مقاطعة واحدة منها في عهد عمر بن الخطَّاب، تولى قياة الشام بأكملها في عهد عثمان بن عفَّان.

ولقد كان معاوية بن أبي سفيان قائدًا وواليًا شديد الحكمة، عمل على كسب حب الجميع ونيل احترامهم، سواء أكانوا من الجند أو الشعب. ثم انبرى إلى تطوير وإرساء قواعد مملكته الصغيرة بأن أسس فيها الدواوين المختلفة على أسس حديثة تشابه تقريبًا ما يحدث في عصرنا الحالي. ومن أعظم إنجازاته كانت الربط بين جميع أجزاء الدولة الإسلامية من خلال نظام بريدي قوي يضمن جودة إرسال وتلقِّي المراسلات. بالإضافة إلى إنشائه جهازا قويا للبصاصين – فيما يشابه الجهاز الاستخباراتي ـ حتى يتمكن من تقصِّي مواقع الفتن والقضاء عليها في مهدها. وإنجازاته تلك جعلت «عمر بن الخطاب» لا يعترض على قسوة إنزال الغضب بأعدائه عندما زاره في ولاية الشام، لإدراكه أن معاوية يحسن التصرف.
وبيسمارك بدهائه استطاع توحيد عدد 39 إماراة صغيرة متفرِّقة متنازعة الأهواء بسبب التحيِّزات العرقية في دولة كبرى موحدة صمدت حتى الوقت الحالي تحت اسم ألمانيا. ويفتخر به الألمان كبطل قومي؛ لأنه استطاع ضم تلك الإمارات المتناثرة على حدود المملكتين البروسية والدنماركية، بل وهزيمة فرنسا ـ القوى العظمى في آنذاك ـ عندما حاولت فرض هيمنتها السياسية على دولة ألمانيا الناشئة، من خلال حيلة ابتكرها بيسمارك لإيقاع فرنسا في شرك الحرب كما خطط. وبعد هزيمتها، أعلن بيسمارك فيلهالم الأول قيصرًا لألمانيا الموحدة في قاعة المرايا بقصر فرساي بفرنسا بعد هزيمة الأخيرة على يد الجيش البروسي.

وعلى نفس النحو، تمكّن معاوية بن أبي سفيان من دحر الخلافات التي واجهت الأمَّة الإسلامية بعد مقتل عثمان بن عفَّان وخاصة وأنه وجد أن المسلمين بدؤوا في الاقتتال داخليًا مما قد يضيع جميع الانتصارات العسكرية والسياسية التي حققتها الدولة الإسلامية. فأوقف الحرب مع علي بن أبي طالب في موقعة صفِّين بالمطالبة بالتحكيم. وبعد مقتل علي، تنازل له الحسن بن علي عن الخلافة شريطة أن يتولى قيادة الدولة بعده خليفة من اختيار المسلمين. فما كان من معاوية إلا وأن أقام الدولة الأموية لتكون تحت راية موحدة للمسلمين أطرها آية في الحداثة. ثم تجاهل شرط الحسن وأخذ يورّث الحكم بين أبنائه؛ لضمان الإبقاء دولته القوية.

الحديث عن كلا القائدين يطول وشيِّق بسبب مواقفهما المتعددة متَّقدة الذكاء. فيما يبدو أن كليهما مبدؤه الأعظم هو تحديد العدو ودحره بكل الطرق، وأقصرها هي الاتحاد. التاريخ لغز كبير ومفاتيحه الشخصيات المؤثرة.

*أكاديمية مصرية

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...