*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
على الرغم من استمرار العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ومحاولة الغرب تطويق روسيا سياسياً واقتصادياً، ومحاولات واشنطن انتزاع أوراق القوة من موسكو، سواء في سوريا ، أو لجهة تحالفاتها الاستراتيجية مع الصين وإيران، إلا أن موسكو تسير في اتجاه استراتيجي محدد، وتعمل على نزع الألغام السياسية، وبذات التوقيت، تفرض رؤاها بما يتوائم مع مصالحها الدولية العليا، وبما يتوافق مع كونها قطباً موازياً للولايات المتحدة، وضمن ذلك، فإن القيادة الروسية وعلى الرغم من انشغالها بتأمين عمقها الاستراتيجي في أوكرانيا، لكنها لم ولا تساوم بأوراق قوتها، وهذا ما بدا جلياً، من خلال جُملة المطالب الروسية في سياق المفاوضات النووية، والتي تتماهى ضمناً مع المطالب الإيرانية، في سياق أي إتفاق نووي قادم.
ومع ثبات المطالب الإيرانية، وتعزيزها بالمطالب الروسية، وبالتوازي مع محاولات واشنطن عرقلة التوصل لإتفاق نووي جديد، فقد تعثرت المفاوضات النووية بين إيران والقوى الغربية، في فيينا، حيث غادر المفاوضون العاصمة النمساوية، دون التوصل لاتفاق، بعدما تقدمت روسيا بمطالب تتعلق بالضمانات التي من شأنها وضع واشنطن أمام أمر واقع، ولمنعها في مرحلة لاحقة، من الانسحاب من الإتفاق ، على غرار ما حدث إبان إنسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018.
في المواقف الدولية التي أعقبت توقف المفاوضات النووية، قال منسق الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في تغريدة على “تويتر”، إن “توقف المحادثات كان ضروريا بسبب عوامل خارجية”، وأضاف: “النص النهائي جاهز وعلى الطاولة”، وتابع: “بصفتي المنسق، سأستمر مع فريقي في التواصل مع جميع المشاركين في الاتفاق النووي والولايات المتحدة للتغلب على الوضع الحالي والتوصل لاتفاق”.
أما الموقف الإيراني، فقد جاء على لسان مصدر مطلع مقرب من الفريق المفاوض الإيراني، حيث قال، إن التوقف المعلن في المفاوضات اقترح من أطراف الاتفاق النووي، فيما أكد النائب في البرلمان الإيراني حسين افضلي، أن الضمانات المطلوبة في مفاوضات فيينا بشأن الاتفاق النووي يجب أن تكون بشكل يختلف عن السابق ولا تسمح للحكومة التالية بنكث العهود، بحسب الوكالة الإيرانية ذاتها.
الصين بدورها تدعم المطالب الإيرانية، حيث قال ممثل الصين الدائم لدى الأمم المتحدة في فيينا، وانغ تشيون، إنه يجب معالجة مخاوف ومطالب جميع الأطراف في المحادثات النووية الإيرانية بشكل صحيح، وإن الحوار السياسي والمفاوضات هما الحل الوحيد، وأضاف كبير المفاوضين الصينيين، ردا على تصريحات بوريل إن تعليق محادثات فيينا يظهر أن المفاوضات “لا تجري في فراغ”، لكنها “صورة مصغرة للواقع السياسي”.
ضمن ذلك، حثت الخارجية الأمريكية، على لسان المتحدث باسمها نيد برايس، روسيا على المساعدة في تحقيق العودة للاتفاق النووي، حيث قال إن ذلك “في مصلحة موسكو”، وشدد على أن “الوقت قصير”، وأن “القضايا الرئيسية لا تزال دون حل”، وأوضح برايس: “قلنا ذلك بشكل واضح، العقوبات الجديدة المتعلقة بروسيا لا علاقة لها على الإطلاق بالاتفاق النووي، كما أننا لا نعتزم تقديم أي شيء جديد أو محدد لروسيا فيما يتعلق بالعقوبات”.
ضمن ما سبق، فإن المطالب الروسية ترجمها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حين قال، إن موسكو تريد ضمانات مكتوبة بأن العقوبات المفروضة على غزوها لأوكرانيا لن تؤثر على التعاملات المستقبلية مع طهران، وفي السياق ذاته، كشف دبلوماسيان لمجلة “بوليتيكو” الأمريكية، أن “المحادثات النووية الإيرانية على شفا الانهيار”. وأضافا أن “المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود”، وأرجعا السبب إلى “المطالب الروسية في اللحظة الأخيرة”.
حقيقة الأمر، إن المفاوضين في فيينا، بما في ذلك الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون والألمان، بالإضافة إلى كبار الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي لم يجدوا الطريقة للرد على المطالب الروسية، ووضعوا تلك المطالب في إطار عرقلة التوصل لاتفاق نووي، وأكثر من ذلك، حيث اعتبروا أن المطالب الروسية مستحيلة، لأن المفاوضات في فيينا تدور حول إعادة إيران والولايات المتحدة إلى الامتثال لاتفاق 2015، وليس بشأن فرض عقوبات على موسكو.
وتشترط روسيا تضمين الاتفاق إعفاء أي شراكة مع إيران في المستقبل من عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الأمر الذي قرأه الساسه الأوروبيين “خطوة متأخرة” من موسكو للرد على العقوبات التي تواجهها بعد غزو أوكرانيا.
ختاماً، أدت روسيا دوراً أساسياً في التفاوض الذي أدى إلى إبرام اتفاق 2015، وأيضاً في خطواته التطبيقية، خصوصا نقل كميات من اليورانيوم المخصّب من إيران إلى أراضيها، وتوفير دعم لطهران في برنامجها النووي المدني، وخلال مباحثات فيينا التي بدأت قبل 11 شهراً، ساهمت موسكو في التوسط بين طهران وواشنطن اللتين لا تلتقيان مباشرة، إلا أنّ دخول التفاوض مراحله الدقيقة، ترافق مع أزمة جيوسياسية دولية غير مسبوقة منذ عقود بين موسكو وواشنطن، لكن وبلسان القيادة الإيرانية، فإن مقاربة روسيا كانت حتى الآن بنّاءة في سبيل التوصل إلى اتفاق جماعي في فيينا، الأمر الذي يعكس ويؤكد، بأن روسيا وإيران تفرضان معادلات القوة، في سياق المفاوضات النووية، وبما يضمن حقوق إيران كقوة إقليمية.
*إعلامي وخبير في شؤون الشرق الأوسط من سوريا





