الحرب الباردة… طبولٌ تدقّ وعالَمٌ يتمحور

 

 

 

 

*غسان الاستانبولي

 

 

ما من شكٍّ أن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية ومن معها، وبين الإتحاد السوفييتي السابق ومن معه، كانت قد انطلقت قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية، بدليل أن الرئيس السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين، اتهّم كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، بالتأخر في فتح الجبهة الثانية على ألمانيا، وذلك بهدف إضعافها وإضعاف الاتحاد السوفييتي معاً.

ولم يتوقف الأميركيون يوماً عن محاولة إضعاف السوفييت، فمن تلك المحاولات قيامهم بدعم دول وشعوب أوروبا الغربية مالياً، بما سمي وقتها “خطة مارشال”، وذلك لمنع تقارب هذه الدول مع السوفييت، وبالتالي ربطها بالقرار الأميركي بشكلٍ مُطلقٍ، وكلّ ذلك بحجّة وقف خطر التمدد الشيوعي كما أسموه، ومنها أيضاً جرً السوفييت لسباق تسلح، وذلك إثر قيامهم بإنشاء حلف شمال الأطلسي عام 1949م، الذي تبعه تقرير صادر عن مجلس الأمن القومي الأميركي، يوصي الرئيس هاري ترومان بمضاعفة الإنفاق العسكري إلى أربعة أضعاف، ليقابله السوفييت بإنشاء حلف وارسو عام 1955م، ومضاعفة الإنفاق العسكري مما أرهق خزينة البلدين، كذلك محاولتهم عندما دعموا الفصائل التي قاتلت الجيش السوفييتي في أفغانستان، وغير ذلك الكثير من المحاولات.

صحيحٌ أن وتيرة سباق التسلح ضعفت بشكلٍ كبيرٍ عام 1969م، وذلك بعد وصول الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الحكم، وتوقيعه مع السوفييت على عدّة معاهداتٍ لوقف هذا السباق، ولكنّ الحرب استمرت بمجالاتٍ أخرى كان نتيجتها انهيار الإتحاد السوفييتي عام 1991م، وبذلك انتهت الحرب الباردة بشكلها العلني، وبقيت معاركها تدور بشكلٍ سرّي، بدليل أن الولايات المتحدة نكثت بوعودها، وتقدمت لتضم العديد من دول أوروبا الشرقية لحلف الناتو.

بعد انهيار الإتحاد السوفييتي لم تعد روسيا تحظى بأهميّةٍ كافيةٍ من قِبل دوائر الرصد الأميركية، وربّما كان ذلك هو الخطأ الأميركي القاتل، ففي الوقت الذي أسقطت الولايات المتحدة الأميركية روسيا من حساباتها، وبدأت تمارس دور الحاكم بأمر الله، فتُغيّر الأنظمة، وتبيد الملايين، وتوزع المختبرات البيولوجية القاتلة على دول العالم، كانت روسيا تعمل بصمتٍ وسرّيةٍ وسرعةٍ، لِتفاجئ العالم بحداثة وبقدرة أسلحتها وعلى كافّة الأصعدة، وخاصّة ببرنامج أسلحتها فرط الصوتية، التي تجاوزت سرعة بعضها سرعة الصوت بأكثر من تسعة أضعاف، وبذلك تخّطت القدرات الصاروخيّة الأميركية، ولعلّ هذا العامل هو العامل الأساسي الذي جعل حلف الناتو يتحاشى الصِدام المباشر مع روسيا، ولاسيّما أن باستطاعة هذه الصواريخ أن تحمل رؤوساً نووية، وعلى سبيل المقارنة نلاحظ أن الصاروخين الروسيين “تسيركون”، و”زيركون 3 إم 22″، أسرع من الصوت ب 9،5 ضعفاً، وقد دخلا في الخدمة الفعلية، بينما الصاروخ الأميركي “هايبر سونيك”، لا تتجاوز سرعته 5 أضعاف سرعة الصوت، ويُقال أن هناك تجارب على صاروخ يسبق الصوت ب 20 ضعفاً، ولكن كلا الصاروخين ما زالا يخضعان للتجارب ولا يمكن وضعهما في الخدمة قبل 5 سنوات، وهذا أمرٌ مؤثرٌ جداً في أيّة مواجهةٍ مُحتملةٍ بالصواريخ المُتفجرة، ولكنّه قاتلٌ لو اندلعت حربٌ نووية، إذْ أن الصواريخ الروسية غير النووية تستطيع سبق الزمن واعتراض الصواريخ النووية الأميركية فوق أوروبا، بينما تصل الصواريخ النووية الروسية إلى أهدافها قبل أن تقطع الصواريخ الأميركية نصف المسافات المُخصصة لها، ولعلّ هذا ما أرعب الأميركيين والأوروبيين معاً ودفعهم إلى ترك أوكرانيا لمصيرها، وخاصّةً أن الرئيس الروسي ومنذ الأيام الأولى للعملية العسكرية في أوكرانيا، استنفر السلاح النووي وهدّد باستخدامه، ولِحسن الحظ أن الطرف الآخر أخذ هذا التهديد على محمل الجد.

الشيء الآخر الذي غاب عن أعين الرصد الأميركية، هو نسج روسيا لشبكةٍ متينةٍ من العلاقات الاقتصادية مع معظم الدول الفاعلة اقتصاديا مثل الصين والهند، والدول الفاعلة جغرافيا ً مثل إيران وسوريا، وبذلك قللت روسيا من محاولة عزلها، كما قللت من آثار أيّة عقوبات قد تطالها، وما خفي من هذه الشبكة هو أكبر بكثير مما أُعلن.
الأمر الثالث المؤثر، هو أن موسكو أغرت الغرب بنفطها وغازها، ومدّت منهما شبكاتٍ أصبحت بمثابة شبكات نقل الدم للجسم الأوروبي، وبذلك أصبحت تستطيع أن تصيب أوروبا بشللٍ كاملٍ لو توقف عمل هذه الشبكات، وقد تنبه الجميع لذلك ولكن بعد فوات الأوان، فأعلن مُعظم القادة الأوروبيين أنهم لن يستطيعوا الاستغناء عن النفط والغاز الروسيين خلال السنوات العشر القادمة على الأقل.

الواقع الآن، هو صعود محورٍ قويٍ ركيزتيه الأساسيتين السلاح الروسي والاقتصاد الصيني، مقابل تراجع المحور الآخر، في ظلّ قيادةٍ أميركيةٍ بات ضعفها وتراجعها واضحين، وحلفاء باتوا يلتمسون النجاة، ويعرفون أن باب نجاتهم هو الباب الذي يأخذهم بعيداً عن القائد الضعيف والحليف المُتراجع، بدليل امتناع وليّي العهد في كلٍّ من السعودية والإمارات عن تلقي اتصال الرئيس الأميركي، كذلك إعلان ولي العهد السعودي أن بلاده قد تتجه لتسعير جزء من صادراتها النفطية للصين بالعملة الصينية، طبعاً لو صح هذان الحدثان، فسيكونان مؤشرين كبيرين على بداية تخلي حلفاء الأميركي عنه.

في ظلّ هذا الواقع، فالأمر الطبيعي هو أن تراجع مُعظم الدول حساباتها، وأن تعمل وفق حساباتٍ جديدةٍ، عِمادها أن المحور الأميركي ومن معه محورٌ يتراجع ويزداد ضعفاً، يقابله محورٌ يتقدم ويزداد قوّة، وبما أن الدول تتبع مصالحها، فمن الطبيعي أن تلجأ إلى الحلف الذي يؤمّن لها هذه المصالح.
بناءً على ما تقدم، فمن الواضح أن أصوات طبول الحرب العالمية العسكرية بدأت تتلاشى رويداً رويداً، بينما تضجّ الأجواء بأصوات طبول الحرب الباردة، وما على العالم إلا أن يعيد حساباته، ويتمحور على وقع ضربات طبول الحرب هذه.

*كاتب وباحث سياسي سوري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...