كوفيد الألفية الثالثة

 

 

 

 

عزيز الأجباري

 

 

من المؤلم ما نلاحضه و نعاينه في يومياتنا من حالات و ظواهر مع هذا الجيل من الناشئة في بيئتنا الإلكترونية مع الحواسب و الهواتف المعبئة بالألعاب الافتراضية او حتى مواقع التواصل الوهمي من عائق كبير نحو التعلم والتحصيل العلمي الجيد، و التراجع مستوى الدراسي الخطير لدى الأطفال، مما قد تدمر ملكة الإستيعاب و الخيال و الإبداع و يعيش الطفل طوال مشواره الدراسي تائها مشتت الإنتباه و غير مستقر في نفسيته و شخصيته بسبب هذا الإدمان الخطير، ثمة ذاك آمارات توحي على أن الطفل ليس سويا في سلوكه سيما عندما ان تقوم بحضر هذه الأجهزة من بين يديه ولو بضع ساعات قصد انجاز واجباته المدرسية. ولكم ان تلاحضوا ردود فعلهم الهيستري على شكل صراخ و عويل و الثورة على كل شيء في كل ارجاء البيت كما لو ان هذا الطفل مدمن مخدر مسحوق كوكايين يلح بشكل جامح طلبا لتلقى جرعة هذا المخدر الآسر لينعش جهازه العصبي حتى يعود إلى هدوئه الطبيعي. فلا علينا أن نستغرب لتراجع الحاد في مستوى الدراسي و إهمال كل ماهو ثقافي و فني و جمالي في وسط الناشئة، وما يظهر من علامات الكسل، و الميل الغريب للعزلة، أو العدوانية و جفاف في المشاعر والعاطفة و الشعور بالإكتآب و الهروب الشاذ من الواقع الاجتماعي، و عدم الرغبة في مشاركة الألعاب التي تتطلب مجهودا بدنيا و حركة رياضية رشيقة، أو المرح و اللعب مع الأقران كما تعودها الأجيال في الماضي لهؤلاء الأولاد المدمنين و ضحايا الألعاب والعوالم الاكترونية الجاهزة الواهمة لأنه في منأى عن السليقة و حياة فطرة الطفولة الطبيعية الأولى، كثيرا ما تساءلت وتصورت، وقلت مع نفسي ماذا لو ولد هؤلاء الموهوبين النابغين، أمثال امرء القيس، و طرفة، و المتنبي، و جبران خليل، و نزار قباني، و سقراط، و موليير و دانتي، و جاك روسو، و موزارت، ورياض السنباطي، و بليغ حمدي، و سرفانتيس، و مبدع الف ليلة و ليلة، وصاحب الأليادة و الأوديسة، و حكيم بوذا، و زارا وشت، و كونفيشيوس وغيرهم… و في يديهم هذه الأجهزة الرقمية المسمومة لملكة التأمل و التخييل والبصيرة ؟ أكيد ما كانوا ان يكونوا كما أصبحوا وكانوا، لأنهم لن يجدوا في بيئتهم المشوشة مجالا لتأمل و الإستحضار الاستبصار حتى تنقدح في تلافيف عقولهم شرارات العبقرية ولن ينعموا من عظمة سحر الوحي الذي يتنزل عليهم و يزورهم وهم في عزلتهم الإبداعية أو في محراب هيكلهم الجمالي، لان حبال التفكير قد تتمزق بفعل التشتيت و انعدام التركيز ووضوح الرؤيا ..

إنه لوثة أو طاعون العصر الرقمي المُعدي، لم تعرفه البشرية على مر تاريخ الحضارات الإنسانية، إستشرى في جميع من يستوطن كوكب الأرض مع بداية الألفية الثالثة كما تستشري النيران في الحشائش اليابسة، و يبدو أن هذا الأيفون “المُرقمن”سيظل مزمنا في حياة الأجيال ويصير عضالا يصعب معه الشفاء في قادم الأزمان..

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...