لأنني مشوّهة! قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم زيد عيسى العتوم

 

 

لماذا أتحدث لنفسي عن قصتي التي أصبحت تملأ ذاكرتي!, فما الفائدة إن كانت الذكريات مهولة والأحلام مقتولة, لقد أصبحت لا يراني أحد ولا أرغب حتى برؤية ذاتي, أنا مجرد آثار أقدام تتلاشى على رمال صحراء موحشة, تتعاظم فوقها وتتلاطم رياحٌ صامتة ٌومجنونة, ليس لتلك الأقدام المتناثرة شأن أو عنوان, ولا تملك من أمرها سوى انتظار الرحيل, أنا بضع قطرات يتيمة من وهم أمطار صيفية, قذفتها السماء صوب الأرض دون أي غاية, وما هي الا لحظات معدودة حتى تبددت احتراقاً, أو ربما انتحرت عندما أيقنت أنه لن يذكرها أحد بعد فنائها, أنا لست سوى غصن صغير متيبس سكن غابة لا يسكنها أحد, لا يُسمع فيها أي صوت ولا يُعلن فيها عن أي موت, أنا لحن خافت أطفئت من حوله الشموع, وغرقت اوتاره في قدرٍ جارفٍ من الدموع.

كيف لي أن أملأ سنين العمر وهي مملوءة رغماً عن قلبي الحزين, وكيف سأحيا حاضراً قد قتله الماضي بدم بارد, لم أعد أتذكر من طفولتي الا ساعة مغيبها, حينها أدركت معنى الشقاء, ولم أحسب بعدها أن الحياة ستكتسي بالندم, فَقَدت أكتافي الصغيرة رونقها بأن تكون غير مثقلة أو حبيسة, وفقدتُ معها مذاق البراءة وعشق الدمى, أخبروني الكثير والكثير عن تلك الفاجعة ولكن على استحياء, كان كلامهم مبسّطاً ومعسولاً تملأه الأمنيات التي لم أقرأها في عيونهم, أخبروني عن ذلك اليوم الذي ثُكل فيه نهاري وفُجعت فيه الشمس بفقدها للشروق, ذلك اليوم الذي أبى فيه الماء أن يبرح وجهي دون قُبلات ولمسات من الحروق, أخبروني كلّ شيء وتناسوا إخباري بأن قصتي لم تتم, فأنا الان مجرد فتاة لا تقتات سوى مرارة الحسرة ولوعة الانكسار, لأنني أمتك أو يمتلكني وجه مشوّه.

كلما هممت أن أهجر مجالسة بكائي, أو ثنيِ تلك القضبان العنيدة عند نافذة عزلتي, قادتني الصدفة الى مقصلةٍ ليس فيها سوى لوح زجاجيّ يقابلني فيقبض أنفاسي, يصرعني دون أن يدميني ويخنقني دون أن يلمسني, يخطفني بلمعانه الذي يغشى بصري عند رؤيته, ويذكّرني بأن قناع النسيان لا يستطيع لجم روحي المعذبة, ثم أنظر الى وجهي بعيداً عن نظرات الآخرين وأسئلتهم الموجعة, لكنني هذه المرة قد أعرف الكثير عني وعنهم, ولربما أفلح في سبر غاية فضولهم المقيت وهم يتفحصون مصيبتي, يطعنونني استفهاماً ويدفنونني تعجباً, تتفتّح عيونهم وتتهامس أفواههم عند ملاقاتي, يقتلني عطفهم ويقتلني لطفهم وتقتلني شفقتهم, تؤذيني ابتساماتهم الباهتة وهي تتقطّع في منتصف طريقها, ثم يعقبها الإشاحة عني دون خطيئة صنعتها يداي, كيف لي أن أنسى ذلك الصغير الذي هرول ضاحكاً نحوي وأنا جالس أراقب تلك الورود الصفراء قربي, لم أجرؤ على الاقتراب منه او ملاطفته, ولم تقوى أصابعي على لمس كُرته المتدحرجة صوبي, آثرت الاستمتاع برؤيته ومراقبة عفويته, وما هي الا لحظات خاطفة حتى تبدّت والدته قربه, نظرت اليّ ملياً كأنها توشك على رسم ملامحي في مخيلتها, أو كأن لسانها قد تحجّر وتيبّس وتصلّب دفعة واحدة, ثم عانقت صغيرها كما لو كانت تحتفل معه بلحظة إنقاذه مني, لم تخاطبني بغير لغة العيون المدبّبة الصامتة, ثم وضعت يديها على عينيه لتمنعه من النظر اليّ مجدداً, وبعدها حملته بعيداً عني وهي على عجلة من أمرها, ما أقسى تلك اللحظات وما أشرسها!, وبعد بضعة أيام وبينما كنت أستقل حافلة صغيرة لشراء بعض الخبز في منتصف النهار, توقفت الحافلة للظفر بآخر ركّابها, كانت سيدة في ستينيات العمر تمشي ببطء شديد, اقتربت للجلوس في المقعد المتبقي بالقرب مني, أدرت وجهي بسرعة الى الطرف الآخر هروباً منها أو ربما من نفسي, حيّتني فحييتها دون النظر اليها, كانت أرجلها تلامس أرجلي بسبب بدانتها ولضيق تلك المقاعد المتراصة, وما هي الا بضع دقائق حتى أحسستها تستدير نحوي لسؤالي عن الوقت بصوتها الخافت, كانت تخاطبني بكلمة “ابنتي”, نظرت اليها لأخبرها بدون أي تردد أو قلق, فرأيت ابتسامتها تتكسر بطولها وعرضها, ووجهها يتبدل بشكله ولونه, لم تقوى ساعتها على مواصلة النظر اليّ أو شكري على ما قلته لها, وما هي الا لحظات حتى زحزحت جسدها الثقيل بعيداً عن جسدي المسكين, كم كان ذلك جارحاً لقلبي ومحبطاً ليومي!, ترجّلت بعدها إحدى الدمعات التائهة من عيني بلا استئذان, انهمرت وقد أخذت على عاتقها ملاطفة وجنتي وتطييب خاطرها, وعند كل ندبة فيها سمعتها تصرخ بأنني لم أقترف أي ذنب لأستحق هذا العذاب.

انظري اليّ جيداً يا نفسي, لا تتثاقلي انتي ايضاً من تلك المهمة, أخبريهم أن نظراتهم قد هشّمت أحلامي وأنعشت آلامي, استحلفيهم الا يُمعنوا في طعن الأجساد الميتة من حولهم, واسأليهم عن غاية بطشهم ومغزى قسوتهم, وأخبريهم أنني مجرد فتاة مسكينة شاءت الاقدار أن تكون مشوّهة!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...