محمود شقير… فلسطين ثدي الحياة و حليب الذكريات

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*ذ.حسن المصلوحي

 

 

كنت أظن أن شاعريّة الوصف في القدس و المرأة قد استنفدت عذوبتها مع درويش الذي قال عن القدس أنها امرأة من حليب البلابل، حتى قرأت هاته القصص القصيرة جدا للأديب محمود شقير التي عنونها ب “حليب الضحى”. قرأتها البارحة في ليلة ماطرة اصطفت فيها قطرات الجَوْد على نافذة غرفتي مصرة أنها لن تكمل رحلتها نحو الأرض إلا بالاحتفاء بهاته اللحظة التي لا كاللحظات… لقد وجدتني أمارس نوعا جديدا من القراءة، و كأنه الرقص على نغم الكلمات و المعاني، و غوص في ما وراء الحروف، هنالك هنالك حيث تكمن الحقيقة الخجولة… لا يبوح شقير بمكنوناته مجانا، إنها كتابة مرهِقة، متمنِّعة عن العشاق الذين يكبح الخمول جماح خيالهم…

ليس خفيا أن الأديب محمود شقير متفرد في هذا المنجز، مخاتل، محتال على أصناف الأدب و أجناس؛ فالعمل صُنف على أنه قصص قصيرة جدا، لكني قرأته شعرا و ومضات بلجاء تصطاد من الحياة ما يجب الظفر به، و هو أيضا رواية بل روايات متكاملة، تدعوك إلى التقاط الكلمات و رتق الصور المفرقة في بهاء و جمال لتكوين صورة كبرى، بل صور تتنوع بحسب مخيال القارئ…

أكاد أجزم بأنه حقا نوع جديد من صنوف الأدب، و إذا سمح لي أديبنا أن أسميه “رواية القصص الشاعرية القصيرة”، إنها رواية تجمعت فصولها عبر ومضات قصصية و التقاطات باذخة تفسح للخيال المجال ليسمو بعيدا بعيدا… و في القدس و ضواحيها يحلو السرد و القصيد و تحلو الذكريات و لحظات الحياة اللذيذة رغم الهجر و اليتم و العقم و السجن… عبر شخوص عديدة و على لسانهم قصَّت القدس نفسها على وقع خطوات الأطفال الصغيرة في الأزقة و الحارات. في أحاديث النساء و الشيوخ و الحيطان التي تشهد بأن التاريخ لنا لا لغيرنا…

أرى أن هذا العمل يمتلك أبوابا عديدة لقراءته، أبواب ليس من السهل فتحها، أبواب بل و مستويات عديدة للقارئ، فالرواية هي حكاية أزواج يتفاعلون مع الحياة بلحظات الفرح فيها و لحظات الألم، و هي أيضا مشاعر الحب، الحقيقي منه و الزائف، و هي أيضا القدس التي ترضع كل ضحى أمة جائعة حليب الكرامة ! و الرواية أيضا تعرية لواقع إنسانية أصبحت تتأبط الغدر و القهر تحت رداء من سراب، مفضوحة ظهرت عورات هذا الزمن الديوث داخل الرواية…

و بعين الشاعر الذي لا زالت أبيات عيون الشعر العربي تلازمه وجدت في الرواية “ليلى” و تذكرت ليلى مثلما كان يتذكرها مجنونها و الليالي الخوالي، و تذكرت ما قاله فيها: “على مثل ليلى يقتل المرء نفسه”، و بدا أن ليلى العاقر هي قدسنا التي لم تعد تلد الحياة، هي قدسنا التي تنكرت لها بطنها فأصبحت تلد الخيبات، و حين تبنت ليلى طفلة هدأ روعي و تذكرت أنه إن عازك بطنك اجعل بطون الناس بطنك و أرحامهم رحمك. تدور الأحداث و يحلو السرد في ليلى و حواليها التي يدعوها الكاتب لألا تخشى الكمال لأنها لن تطاوله، و أن بعض السعادة، كل السعادة تكمن في النقصان… و يمضي بنا في هودج الكلمات العذبة المرهفة الرنانة ليحكي لنا عن تفاصيل الحب و البحر و الرواية و مشاعر اللؤم و الخوف و القلق و الدلال لليلى، الذي لا يليق إلا بها. يناجي طفلة تنتظر الحلوى فتحصل على قلب هائم و عبق و حفنة ذكريات، و قلب ليلى نبراس الوجود في ديجور الحياة القاسية و مشوار العنت الذي نسير فيه جميعا، فأين غابت ليلى ليغيب هذا الضوء الذي لطالما آنس وحدتنا؟ و في الرواية أيضا استدعاء للتفاصيل حيث يكمن المعنى الذي يستدعي فك الرموز؛ يحضر الهديل و الصباح و البن و أرصفة المدينة و تحضر سيدة المقام “ليلى” المقدسية الأصيلة التي تفصح عن نفسها لنحفل نحن القراء بالحديث إليها، تخبرنا أنها تورطت في الحب و رغم ذلك أحبت و استمرت على الدرب رغم السأم و الضجر و لحظات الوهن… و في برية القدس نكتشف أن الحلم يجب أن يصبح حقيقة و أن الحب ربما يكون درعا أمام العدو و سيفا يزرع في خاصرة المحتل… و عبر مريم المسيحية المقدسية و محمد يعيد الكاتب كتابة تاريخ المكان و الزمان و فضح اللقيط القادم من شتات الأرض ليرسم لنفسه صورة من رصاص، و هنا كان لا بد أن يحضر درويش برمزيته الخالدة، و يتردد نشيد الحياة بأن عليها ما يستحق الحياة، و نتوقف أيضا عند تيمة الصمود و العيش من أجل قضية و الوفاء و البهجة و الخريف و الحب الذي يصمد وحده أمام قسمات الزمن و نكبات الأيام، إنه ذلك السمو فوق قوانين الطبيعة و حتمية الوجود…

صُور الكاتب كانت مدهشة، جياشة بالمشاعر، مراوغة وعجيبة؛ فتراه يتنقل بين لحظة ألم تتعرى فيها الأشجار خانعة لرياح الخريف، و يعود بك إلى قطة تنام إلى جوار المدفئة، فتتساءل ما الذي قصد بذلك؟ فتغيب في تأويلات و تأويلات و قد تنتهي باللاشيء، لا فكرة، لا نتيجة و لكن بلذة شاعرية تستقر في سويداء القلب، و إذا حُزتَ نصيبا من القدرة على التأويل و تطويع المشاهد، قد تقول في نفسك (كما قلت أنا) ربما في ساق ليلى الذي أبى أن يزعج راحة قطة ما لا تحويه قلوب الملايين، و يدعوك عبر المشهدية إلى الحب الذي لا طريق للحياة إلا طريقه…

ماذا أقول؟
لا أعتقد أن ورقة نقدية كهاته كافية لقراءة هذا المنجز المتفرد، بل إن كل أقصوصة داخل هاته الرواية تحتاج لدراسة خاصة و معمقة، فيها ما هو نفسي و ما هو الجتماعي و تاريخي… فيها الموسيقى و الشاعرية و ذكاء في اللعب بالكلمات لا يخفى على القارئ…

و عبر رمزية الثدي يمكن أن نحلل الصورة، فالثدي هو الملاذ الأول أمام الوجع، الثدي هو الأم و هو الزوجة و هو الطفلة، الثدي هو الحياة التي يجب أن نتمسك بها حتى لا ننسحب أمام زبانية الموت، فلا نلوم امرأة ترقب ثديها أمام المرآة منتظرة أن يجود حليبا يطفئ عطش الروح التي تتحرق شوقا لفلذة الكبد، فالأطفال هم القضية وهم النصر… فوصف الكاتب القدس بأنها انعتاق و بأنها البراءة و هي الغضب أيضا حين يستلزم الأمر ذلك، القدس هي أهلها هي كل شيء هي اليتم و الكمد و المجد و الصمود… لتنتهي الرواية بيد تمسك بأختها على ضوء الأمل ليبقى كتاب الحياة مفتوحا تشهد سطوره بأنه ما زال عليه متسع لكتابة حياة جديدة.

عمل سردي يمتح من معين خيال شاعري خصب يجعل القراءة متعة حقيقية، عمل يحتفي بالحياة و يزرع الأمل في النفوس بأن ثدي العروبة يوما ما سيحلب الحياة ليسقيها عزة و شموخا لأفواه أعياها الجوع و هامات كسرها الخنوع…
فهنيئا لنا بك أديبنا “محمود شقير” حارسا للحب و الحياة في زمن الحرب و الموت

*كاتب وباحث ومترجم من المغرب

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...