بقلم: ذ. حسن المصلوحي
ليوم كامل و ليلة أسرتني هاته الرواية، رواية أسير فلسطيني، لساعات طويلة وجدتني أتنقل بين صفحة و أخرى أتلمس مكامن الألم و الغبن و مواطن الوجيعة، في هاته السيرة التي كانت مع كل حدث جديد تصدمني و تهز أركاني. في البداية شدني العنوان “على بوابة مطحنة الأعمار”، فحاولت تخيل أي معنى يكون للعمر حين يطحن، حين تذبل زهرة الشباب بين الحيطان الباردة و العتمة القاتمة و الدمعة التي تتجمد على الخدود، أن يطحن العمر معناه أن يطحن الانسان الذي لأجل الحياة خلق.
فانتقلت للإهداء الذي جاء في نصه: “إلى من ضاعت طفولتهم في عروة سرقة أرض و تاريخ و مجد !” و سرني أن يهدي الكاتب هذا العمل الذي تجرع تفاصيله جرعة جرعة إلى كل طفل أسرته أيادي الحقد و آلمني ذلك الإقرار المرير بسرقة الأرض و التاريخ و الأمجاد.
في التقديم نرى الكاتب الذي صمت طويلا، أسكته الكبت و الاحساس بالغبن و ضيق الأفق، ليضع الطفولة على بوابات الأسر في أم الحكايات القدس، و مثلما أعلن نفسه بطلا أعلن القدس سيدة الأبطال. و ما أروع ما كان قراره بأن يدون كل الأحداث كي لا تمحى من الذاكرة لتتحول الكلمات إلى غاية أسمى هي شهادة دامغة على العصر من داخل القهر !
هي بشكل أو بآخر بوح بهم الوطن أو هم الانسان الأبي الذي يقيم على شكل صمود، هموم المستضعفين و ليس همه هو فقط، و هاته الشهادة أيضا تعرية لكيان صهيوني يريد أن يجمل نفسه، و وضع للساسة و المطبعين أمام زيفهم و خداعهم و بيعهم للقضية و الانسان، هي صرخة تنتصر للإنسانية و إن كانت بطعم الألم. هي رواية حياة تحولت إلى حيوات تدور في فلك المشترك الانسان، و الأنا تحولت إلى أنوات، تتناسل من كل سجن و شبر و ذرة تراب يتكبد فيها الأحرار نير الظلم و القهر !
هي بشكل أو بآخر بوح بهم الوطن أو هم الانسان الأبي الذي يقيم على شكل صمود، هموم المستضعفين و ليس همه هو فقط، و هاته الشهادة أيضا تعرية لكيان صهيوني يريد أن يجمل نفسه، و وضع للساسة و المطبعين أمام زيفهم و خداعهم و بيعهم للقضية و الانسان، هي صرخة تنتصر للإنسانية و إن كانت بطعم الألم. هي رواية حياة تحولت إلى حيوات تدور في فلك المشترك الانسان، و الأنا تحولت إلى أنوات، تتناسل من كل سجن و شبر و ذرة تراب يتكبد فيها الأحرار نير الظلم و القهر !
يصرح الكاتب الطفل بصدق كل تفاصيل الرواية و هو في الحقيقة لا يحتاج لأن يختلق أحداثا تزيد من جاذبية منجزه لأن ما عاشه حقيقة تفوق الخيال و المجاز و الوصف ! أمّا العمر فلم يضع أبدا لأن كل ثانية مرت منه جاءت في هاته السيرة صفعة على خد كل من يريد تشويه الواقع و قلب الحقائق و أدلجة العقول !
وتبدأ الرواية بمشهد الخلوة القسرية التي تتحول إلى وحدة قاتلة، و معتمدا على الخيال ينقلنا من الواقع المر إلى المتخيل الأكثر مرارة، ليأخذنا إلى رحلة طويلة أحزنتني وأفرحتني، أبكتني و سرتني في الآن نفسه، في مزيج من الأحاسيس و العواطف المتضاربة و عبر تلك الصناديق المتراصة التي شكلت محطات العشرين سنة، يستعيد من الذاكرة تفاصيل كل محطة على حدة… و تكون الانطلاقة مع الطفولة. طفلان يلعبان و علم الكرامة يرفرف على دراجتهما و بينهما جيش مدجج ترعبه الألوان التي تشهد للتاريخ ويشهد لها أن الأرض لنا و أن أبناء الوقيعة لهم الحجر. فتحضر رمزية القماشة بألوانها الزاهية مقابل قماشة أخرى تريد تزوير التاريخ و طمس الهوية، و إن كان هذا الطمس قد نال من البعض إلا أن القضية سيدة نفسها و التاريخ لا ينسى !
يضعنا الشويكي أمام مفارقة حقيقية، الوطن الذي يسكن القلب، الوطن المغتصب و السلطة القائمة الظالمة و موازين القوة التي مالت لتناصر الظلم لكنها لا تهزم الحقيقة! ولأن العدو لا يمتلك من الشرف شيئا، فقد يكرمك بالعطايا ليذبحك و يطعم أطفاله من لحمك، أما الخيانة فعلى مر التاريخ بوجهين، وجه مألوف متعلق بمن هو عدوك، و وجه أشد حقارة متعلق بمن يدعي حمله للقضية.
تنتقل بنا الرواية إلى مشهد السرير الذي يجعل الشويكي يستعيد الحدث المفصلي الذي قلب حياته رأسا على عقب. و يأبى إلا أن يدون التاريخ الذي هز كيانه و حوله من طفل إلى رجل يحمل قضية و يعيش من أجلها، فأهل الأقصى يتعرضون للقتل، فتتحول نزهة الأطفال من الهدوء إلى الصخب، من السلام المزعوم إلى القتل و من السبات العميق إلى الحقيقة الدامغة، حقيقة الوحشية و الهمجية ومنطق الغاب الذي يستأثر بنفوس الصهاينة، حقيقة أن البقاء للأقوى، فتصورت الأحداث، تأملت الجرحى والشهداء كما صورهم بصورة بليغة فيها الجماجم تتعرى من جلدها و الدماء تنزف من سويداء القلوب و من الأقصى يأخذني إلى الأمة ! إلى أمة رضيت بالعار وصمة على الجبين، و بالخنوع ديدنا و وسيلة، و تأملت أيضا أشباه مثقفينا، هؤلاء الحداثيون الذين يبيعون أقلامهم لتمجيد الغرب و احتقار العروبة، يتسولون شرفا داخل أوكار الدعارة، يكتبون على الحجاب و على الختان و على شيخ اقتنصوه من السراب ليحولوه إلى مدفع يعلو دبابة، يكتبون على الطلاق و على تعدد الزوجات و على الشرق الذي يأبى التقدم، و لا ترى أعينهم و لا ترصد أقلامهم هذا الغرب المستبد الذي يزرع الموت في الشواطئ و المدن و الحارات !
لقد كان حدث الانتفاضة طفرة في حياة هذا الطفل، لتصرح الهوية عن نفسها في مقام النضال و الصمود، فيتحول من طفل لا يميز علم فلسطين إلى رجل فلسطيني حتى النخاع… رجل يضرب ضربته و يتلذذ برؤية العدو يتألم، رجل يؤمن بأن العين بالعين و السن بالسن و أن البادئ أظلم. لا ينسى الكاتب أن يذكرنا ببريطانيا، الكيان البراغماتي الذي لعب أدوارا حقيرة في التاريخ، الكيان الذي أعطى عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، و أعتقد أن وصمة عار كهاته كفيلة بإخراس تلك الأصوات التي تنبح على كل المنابر بأمجاد الغرب!
و عبر مشاهد الزنزانة الصغيرة و التحقيق المرير و التعذيب الممنهج و الاهانة الوضيعة يرصد لنا ذلك التشبث الأصيل بالحياة رغم اللاإنسانية و العنصرية و العصبية الصهيونية، و لأن الانسانية لا دين لها، يرينا عبر موزع الطعام أن جذوة الانسانية لا تموت و أن الانسان لا يحتاج إلا لعقل يفكر حتى يميز بين الظالم و المظلوم.
أما الأم فكانت داخل الرواية شخصية مركزية، معها تشكل الوعي بالهوية و معها استمر العيش والصمود ومعها أيضا يفتح المستقبل ذراعيه للأسير الخالد الذي لا و لن يموت ! الأم التي وصفها تجار الموت بالمجنونة لأنها حنونة فالحنان في عرف الأوغاد جنون و الانسانية في تاريخهم جريمة !
ولأن المخادع يخشى الحقيقة فلا ضير في قليل من التزيين والتجميل أمام عدسات المصورين… و لكم تعجبت من احتفاظ الطفل بالابتسامة والدعابة في عز المصيبة، سخرية على السخرية، وتهكم على المحتل الذي اعتقد أنه بالسجن قد ينال من العزيمة، قوة لا تخور في عز السياط التي تنهال على الظهور مخلفة ندوبا لا تزول بفعل الزمن. مرارة لم تنسه أن يزف قطعة حلوى لأخته الصغيرة عند زيارتها له ليتدفق الحب و إن كان من غيابات الجب. تنبثق الحياة من صدور صغار كالزنابق تأبى أن يغطيها التراب و يقتلها الغياب، رغم الأمراض ورغم الأبواب المؤصدة و العيون الزائغة عن الفجيعة المصنوعة، و رغم خذلان العرب الذين باعوا القضية، عرب يضربون عربا، و يا للمفارقة !
وتمضي بنا الرواية في تفاصيل يلتقطها الكاتب الطفل بكل مرارة، آلام جسمانية ونفسية ورغبات أشد بساطة، رغبات لا تشبع فتتحول إلى فطنة و قوة وحكمة و أحيانا قد تتحول إلى قسوة و ظلم. لقد كان الكاتب في عمله هذا شفافا و صادقا، لم يصور نفسه على أنه الملاك الوديع كما جرت عادة كتاب السير القدامى، فعبر بكل صراحة عن المكائد و الظلم الذي أسقطه على الآخرين، أفليس الميثاق بينه و بين القارئ يقوم على الصدق، و أعتقد أن هذا كان واضحا في العمل و مقوما أساسيا من مقوماته.
استدعى الكاتب من ذاكرته رمزية المعلم و المدرسة و النور الذي يضيء العتمات و الأقبية و تعلن الانسان متحديا للذات رغم الصعاب عبر التعلم، فالتعليم نور، هو نجاة و ربما كان هو المنقذ من ذاك الجحيم. و نملة أخبرته بأن لا ييأس و أن يتواضع و يعمل بجد و يتعاون مع الاخرين و لا ينسى التضحية، و لعل هذا شهد تجربته الطويلة، تعلمه على وجع و قهر و أهدانا إياه متدفقا من قريحته الانسانية.
تبدو جلية في الرواية قيمة التواصل باعتباره الفعل الذي يميز الانسان كلية كما ذكر كلود ليفي ستراوس، إنه الفعل الذي حولنا من حيوانات متناحرة إلى كائنات ثقافية، فتواصل الأسرى من الطوابق و صمموا على توفير وسائل الاتصال حتى و إن تطلب ذلك تجرع السم وكسر العظام عنوة، و لست أدري هل تحدث الكاتب عن تهريب النطف جنبا إلى جنب مع تهريب الهواتف صدفة أم كان مقصودا، أفليست النطف تواصلا بين أجيال من الأبطال يخشاه المحتل الذي يقتات على قطع الأوصال.
و في الرواية كانت هناك وقفات شاعرية مثل مشهد التوتة و الأوراق المتساقطة و الخلف الجديد الذي ينتظر البزوغ، مشهدية الانبعاث التي ذكرتني بكلمات الشاعر العراقي مهذل مهدي الصقور: “أنا كالقيامة ذات يوم آتي” ليذكر من جرّف الأرض أن بذور الثورة ما تزال كامنة تنتظر لحظة الانعتاق من ظلمة الأقبية، مثل الفينيق الذي ينبعث دائما من رماده.
لقد كان للشويكي الطفل الوعي الكافي ليضع سجانا بلا هوية أمام إحراج و حيرة حقيقية، ليضع العالم الغربي المتواطئ أمام مفارقة صارخة مؤداها أن من يخدم قضية ليس كمن يخدم الريح فمهما تطاول زرع الغاصبين لا بد أن تذروه رياح الزاحفين، المنحدرين من أرحام الكرامة، إنها وسيلة الكاتب الاحتجاجية على الأوضاع و على الظلم، فلا ينفك يتساءل و يتهكم ويسخر و يمتعض ويسمع بأعلى الصوت بأنه ههنا أطفال صغار تطحن أعمارهم وتغتصب طفولتهم، ههنا يا غربا أعمى، ههنا إنسان يحتاج لإنسانكم الملعون الذي يقتات على العنصرية، ههنا إنسان خذله الأقربون و قصم ظهره الأعداء، ومشفى تحول إلى مسلخ، ههنا عالم من الجرائم لا ترونه أو لا تريدون رؤيته، ههنا وجهكم الحالك و تاريخكم المشوه. ههنا أنا الطفل الذي سلبتموني ألعابي البسيطة ورائحة التراب حين تسقط عليه أمطار العشية وحمار الجدة و هواء المدينة الذي يهب من السماء ليبلغها وصايا الأجداد الذين عاشوا على وطن و ماتوا على الجمر، ههنا طفل أعمى، نسي الألوان و الأشكال والأحجام. ها هنا رجل يربي الطيور فتهاجر حجره في كل مرة لتذكره بأن الحياة توجد هنالك في الخارج حيث الأفق الفسيح، حيث لا حيطان و لا أشواك و لا أسلاك، ولا بنادق الحراس القادمين من شتات الأرض، هنالك حيث وجه أمي، وأرصفة الحارة، و حلويات محل البقالة…
و من الاحتجاج ما يكون بطعم الموت، الاضراب عن الطعام، و أبى الكتاب إلا أن يدون إسما بماء الذهب، مروان البرغوثي، لتعود صور الخذلان تذكر الكاتب بأن العيب فينا قبل أن يكون فيهم. وفي سجن النقب تتحقق بعض الرغبات البسيطة التي لربما لا نلتفت إليها، السمر الليلي و ارتشاف مشروب تحت سقف السماء، تحت أنظار الله الذي علم بكل ما وقع، لتكون لحظات المكاشفة، مكاشفة الذات بما جد وفات، وبذكريات أليمة تنتفض من قبورها كالرفات، و إرادة قوية لا يفلها الحديد، رغم الخديعة والدسائس و الخبث، وتكلل هذا الصمود بأن صار الأسير المتعلم معلما، صار نبراسا يضيئ الظلام الدامس، و يذكرنا جميعا عبر رمزية جورج أورويل في روايته “المزرعة” بأن المصيبة تكمن في تفريق الصف و أن في الاتحاد قوة، و أعتقد أن هاته الرسالة كانت من أقوى رسائل الرواية.
و بما أن سنة الله في الكون أن الظلم إلى زوال، حان وقت الافراج مع رقم مرعب، عشرين سنة، و رغم هذا الحدث المتفرد لا ينسى رفيقه، الرفيق هو الأسير، المتعدد المتجسد في المفرد، الأسير هو هو، فأشعرني وكأنه خرج من السجن و ترك روحه داخلا، و هاته نقطة لا بد أن نتوقف عندها مطولا، أن تولد الانسانية والغيرية و حب الآخر داخل السجن فتلك مسألة تتطلب دراسة عميقة، أن تولد الحياة من رحم الموت، و هكذا كان، سنوات عذاب أنجبت لنا أستاذا و كاتبا و انسانا عظيما، فيلتفت وراءه ليعيد استحضار بوابة مطحنة الأعمار، طاحونة الزمان و مفرمة الرجال، طفولة مغتصبة و قفز إجباري على أشهى لحظات الحياة. و تدمع العين إذ تقرأ أنه ذاك الطفل الذي يبلغ من العمر أربعة و ثلاثين عاما يريد أن يعود ليكمل كل ما ترك خلفه ! كل ما ضاع و تبدد في سنوات الأسر. رغم أن العمر هو ما راكمناه من تجارب حتى و إن كانت قاسية، فانت أمة تأبى الركوع.
و لأن الأمومة هي البداية و الموئل، فإن الرواية بكل ما فيها تؤوب لحضن الأم التي تعبر عن حكمة فلسطين التي لا تشيخ، فتصرح عن رغبتها في تزويج ابنها الذي ما زالت الطفولة تعصف بكيانه كطفل يلاحق طائرته الورقية، لقد كان قرار الأم حتمية، و هو ضرورة ولادة الأطفال، إنها حتمية الصمود و الخلود في وجه النسيان. لأن فلسطين ذاكرة أمة عصية عن النسيان !
قرأت الرواية فكتبت نصا على النص، قراءة عاشقة و التقاء مع الكاتب في مقام التلاقي، فالرواية كانت وجودية بامتياز، فيها الانسان الذي لا ييأس و يأبى إلا أن يصنع تاريخه ، فيها تناول قيمي إنساني نبيل، فيها كثير من الحب و كثير من التكافل و كثير من التماهي مع الفضيلة…
راوية قاربت مفهوم الهوية وذات تمتلك جذورا أصيلة مقابل آخر يتسول هوية مشوهة رقيعة. فيها رجل نذر نفسه، يسابق الذاكرة ليروي في هودج التداعي الذي لا تكلف فيه تفاصيلا لا يتسنى لأحد آخر أن يحكيها كما حدث في الرواية، فيها واقع حي كان و ما زال قائما، لقد كان بوح الكاتب تحررا من سنوات ثقيلة مضنية.
هاته الرواية متعددة، سير هي، سيرة ذات و سيرة قدس و سيرة وطن و سيرة أمة و سيرة إنسانية أصبحت تطبع مع الجريمة، و تتملص من كل خير أو فضيلة. سيرة تحول لهذا الكون عن سنن العدل و الاستقامة، و زيغ إلى معترك من الضباع و الحيوانات التي تقتات على البراءة.
في خاتمة هاته القراءة البسيطة أهديك أخي أحمد، أخي الانسان الذي نسيه الزمان بين رصاصتين، ها أنت تخلد في التاريخ و في ضمير الأمة التي ستعود، حتما و نذرا أنها ستعود. أهديك قصيدة درويش الخالدة وكأنها كتبت لأجلك متغنية باسمك، أخي أحمد.





