السياسة المغربية، من النضال إلى الابتذال

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد المولى المروري

 

 

الآن قد اكتملت قناعتي حول وضع السياسة بالمغرب، فبعد أن قتلتها الدولة بقوانينها المتخلفة وممارساتها الاستبدادية، ها هي جثة السياسة دخلت مرحلة التعفن مع أحزاب سياسية بعضها ولد بلا مصداقية أو شعبية أو شرعية نضالية، وبعضها أضحت مصداقيته وشعبيته تتآكل بسبب تراكم أخطاء كثيرة، منها السياسي، ومنها التنظيمي، وأخطرها الخطابات الشعبوية التي تدغدغ العواطف وتخدر العقول وتعطل النضال الحقيقي..

العمل السياسي في المغرب أصبح عبارة عن سوق شعبي معزول عن المدنية والتحضر.. تتعالى فيه أصوات الباعة المزعجة.. لتروج بضاعتها التي انتهت صلاحيتها منذ أمد بعيد، وبين لحظة وأخرى يتحول الصراخ في عرض البضاعة البائرة إلى سب وشتم متبادل بين تجار السوق، بألفاظ نابية تنهل من كتاب ابن المقفع .. وينشغل هؤلاء التجار عن تجارتهم وينصرفوا عنها إلى الصراعات والخصومات الشخصية .. بدل تجويدها وإحسان عرضها وإقناع الزبناء بها .. ويذكر بعضهم بعضا بسيئات الماضي والتواطآت التي أخفوها عن الزبناء السذج .. ويفضح بعضهم الآخر .. ويتوعد بعضهم بعضا في المستقبل .. والزبون التائه المسكين، وفي لحظة الذهول تلك، لا يهمه إلا أن يسكت جوعه وجوع عياله، مهما كان كساد هذه البضاعة وبشاعة وجوه الباعة ..

وفي لحظة ظهور “المقدم” أو “الشيخ” يصطف التجار بانتظام واحترام، وتتحول تلك الأصوات وذلك الصراخ من اتجاه السب والشتم المتبادل إلى اتجاه آخر .. اتجاه الثناء والمدح لرجل السلطة، والتذكير بفضائله وحسن خلقه وجدية عمله، مع تقديم فروض الولاء والاحترام والهدايا له، كل تاجر من بضاعته التي يتقنها (بضاعة ليبرالية، أو دينية، أو اشتراكية، أو صوفية…)، مع ابتسامة صفراء بتركيز عال من الانتهازية والوصولية والنفاق..

للأسف الشديد، هكذا أصبحت أرى المشهد السياسي المغربي، عروض السياسية بائدة ومنتهية الصلاحية، لا تحرك مناضلا ولا تستهوي مفكرا ولا تقنع مواطنا.. وزعماء يتمركزون حول الذات والأنا ضد الآخر الذي لا يساوي شيئا في ميزان الحكم والسلطة.. ولا دخل له في برامج التغيير والإصلاح وكل ما يُقرر في هذا البلد .. صراع دونكيشودي تافه مع الطواحن الهوائية.. أما القضايا الحقيقية .. قضايا الحرية والكرامة وحقوق الإنسان التي أصبحت تداس وتنتهك أمام أعين هؤلاء الزعماء.. قضايا العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص التي أصبحت محصورة عند فئة اجتماعية نافذة ومحظوظة دون بقية الشعب، قضايا الاستبداد السياسي والسلوطوية التي أصبحت تتغول باستمرار في المجتمع.. قضايا الريع السياسي والاقتصادي الذي أصبح يشتري السياسيين ويُسكِت المناضلين.. كل ذلك لا يعني هؤلاء الزعماء في شيء، فذلك مجلبة لسخط المخزن وغضبه.. وهذا ما لا قِبَلَ لهم به، ولا رغبة لهم في دخوله .. ولقد انقسموا في هذا الهروب بين خادم مستفيد استطاب الأكل والصمت، أو جبان خائر استمرأ التبرير ، أو مغفل انخدع بأن ما يقوله ويقوم به من شعبوية وخرجات أن ذلك هو تمام الحكمة ومنتهى التعقل ..

فبماذا استفاد الشعب المغربي عندما وصف الطالبي ابن كيران بالذئب؟ وما هو العائد السياسي والاقتصادي الذي عاد على المغاربة عندما وصف ابن كيران الطالبي بالحمار؟ عجيب أمر هؤلاء السياسيين، وغريب هذا المستوى الساقط الذي وصلوا إليه، مهما كانت الأسباب والظروف.. فهل هذا هو دور السياسي؟ هل هذا هو منهجه في الإصلاح؟ هل هذا هو أسلوبه في الخطاب؟ هل بهذه الطريقة سنرفع من وعي الشعب ونضج المواطنين ؟ هل بهذه الطريقة سنصل الى قلوبهم وعقولهم؟

أنا على يقين أن الكثير من المناضلين من هنا وهناك سيصطفون إلى جانب زعمائهم وقادتهم، ولو بالباطل، فالغلبة هنا للحزبية وليس للحق، والانتصار في هذه “المعركة” للزعيم وليس للصواب، وهذا أمر طبيعي أمام تدني الوعي، وضمور الفكر، وسقوط الأخلاق النضالية، وانهزام القيم المبدئية أمام الوصولية والانتهازية.. ولكن هنا لابد من التذكير بتلكم القيم التي تعلمناها من أفواه قادتنا وزعمائنا ذات أيام سابقة، وأذكر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره، رواه البخاري.

ومهما كانت الأسباب، فعلى السياسي الناضج والمسؤول أن يمسك لسانه عن السب والشتم، لأن ذلك يعتبر من خوارم المروءة، ناهيك عن خلوه من أي فائدة تعود على الشعب، ولن تساعده في شيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر )، وقال أيضا: ليسَ المؤمِنُ بِطَعّان ولا لعّان ولا فاحِش ولا بَذيء”، رواه البخاري. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِ هذا، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”، البخاري. وورد في القرآن الكريم آيات كثيرة محذرة من هذا، فقال تعالى: “ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون”، الحجرات.

الخاسر الأكبر من هذا الضجيج السياسي هو الشعب الفقير المنهك اقتصاديا، والمدجن ثقافيا، والمخدر فكريا، الشعب ذلك الحائط القصير الذي يتسوره أقزام السياسة بسهولة، ويقفز عليه الانتهازيون بخفة، ويجلس عليه الوصوليون باطمئنان.. مقصلة الإصلاح تستهدف جيوبهم وتأتي على أقواتهم، دون أن تقترب من أثرياء البلد ووجهائها .. من السهل أن تنادي بحرمان المستضعفين من أي زيادة أو تحسين وضعية.. ومن العسير أو المستحيل أن تقترب من أعيان البلد وأصحاب النفوذ والسلطة .. مهما اغتنوا … مهما استبدوا .. مهما طغوا .. فللضعيف المسكين الزيادات في الأسعار والضرائب .. وللثري الفاسد “العفو عما سلف” والإعفاء من الضرائب أو الحصول على امتيازات خاصة.. سياسة تتحرك في اتجاه واحد ؛ تفقير الفقير وإغناء الغني ..

المغرب يعيش حالة ابتذال سياسي غير مسبوقة في تاريخه، منذ الاستقلال.. فهل سبق أن تجرأ السياسيون والزعماء السابقون على تبادل السب والشتم بينهم بهذه الطريقة، هل سبق أن صدر هذا التلاسن القبيح عن الزعيم علال الفاسي أو المهدي بنبركة أو عبد الله ابراهيم أو بلحسن الوزاني، أو عند المتأخرين مثل عبد الرحيم بوعبيد أو عبد الكريم الخطيب أو عبد الرحمان اليوسفي … ابتذال سياسي وصل درجة العفونة السياسية التي لا شفاء معها، هل باستطاعة هؤلاء الزعماء أن يعترفوا بهذه الخطايا ويعتذروا للشعب المغربي عنها ؟ من المستبعد أن يتحلوا بهذه الشجاعة ، فليست في ثقافتهم أو من أخلاقهم السياسية والنضالية .. فهذا التلاسن الفظيع أضحى الآن من مستلزمات السياسة المغربية، ومن قواعد الصراع الحزبي في غياب أي عروض سياسية حقيقية أو نضال شجاع ضد تواتر انتهاكات حقوق الإنسان وتراجع الحريات ..

لقد ماتت السياسة وتعفنت، وترهل السياسيون وتكلسوا، فمتى يأخذ الشعب زمام المبادرة ويحدد مصيره؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...