بقلم: ذ. حسن المصلوحي
لن أذيع سرا إذا قلت بأن الذاكرة من منظور معين هي الهوية، و هي ما يكون بها الانسان هو-هو رغم تبدل الأزمة و الأمكنة و الأحداث، كما أصر على ذلك “جول لاشوليي”، إنها وفق هذا الاعتبار نحن و نحن هي، و أي محاولة لبناء ذات جديدة كل الجدة على أنقاضها يعتبر إبحارا قاتلا ضد التيار، و انتحارا من على حافة خطيرة نحو هاوية سحيقة يبتلعنا فيها النسيان ! فبدون ذاكرة تغزو الفجوات حياتنا فتتفتت الذات و تتيه في هذا الكون المترامي.
لذلك استوقفني بداية عنوان الرواية، و طرحت أكثر من سؤال و أنا أحاورها قبل أن أستقرئ قرأها و أغوص في تفاصيلها، ترى كيف يكون طعم الاحتضار حين يكون عند حافة الذاكرة؟ ألا يكون انتحارا؟ ثم لماذا اعتبر الكاتب ضمنيا أنه للذاكرة حافة؟ أسئلة و أخرى طرحتها ثم رحت أقلب صفحات هذا المنجز واحدة تلو أخرى، بحثا عن جواب أو أجوبة أو على الأقل إشارات. فوجدتني في سفر يمتد لقرابة قرن من الزمان و يزيد… عود إلى زمن انقضى و لم يعد موجودا الآن إلا كتاريخ دونه القوي في قراطيسه الخاصة و بالمقابل حكايات و أغنيات ما زالت جارية على ألسن الأبواب و الحارات و الروابي من قبل النسوة !
رَجْعٌ إلى حيث كان المكان يحتضن المكان و ينشدان للوجوه الشاحبة أن ههنا دب الكثير من البشر، كثير من الظلم و الجور و الاستقواء و المخمصة، و كثير من الوجع و الغصب و الحرمان، و قليل من الأمان و الرحمة و القبلات ! قرأتُ هذا السفر و كأني أرتل الماضي الذي لا يموت. شهادة دامغة على تاريخ فلسطين الحرة قبل أن تدنس نعال المحتلين و القوادين و الوشاة و أبناء الخطيئة كنائسها و مساجدها و أديرتها، خاناته و حاناتها و ملامح أهلها البريئة، نسوتها و هن يغزلن الصوف جنب السواقي و رجالها و هم يحرثون الأرض المتاخمة للجبال. الأرض الأرض ! آه على وجع الأرض !
إن هاته الرواية كما انطبعت في خاطري تعبير عن راو مخاتل، انسل من بين جموع الناس المحتشدين حول المصيبة و عاد عبر دهاليز و أقبية القدس و يافا و حيفا و غزة و الخليل… إلى حيث تقيم فلسطين، و إلى حيث ولد أعداؤها، إلى نسل الكرامة و الهامات العالية و إلى نسل الخيانة و الوقيعة ! انسحب الكاتب إلى الوراء، إلى هنالك حيث يهوديان، أحدهما قرر الغدر تحت رنين القطع الذهبية و آخر حمل كفنه راية مرفرفة تعلن أن لا نامت أعين الجبناء و ثالث على الهامش بلا لون و لا شكل، أرهبه الاختيار فأفسح لنفسه الدنيئة المجال لتلهث خلف الغواية أينما وجدت. إنه الفرق بين سقراط الذي قرر ألا يصمت و حثالة الأثينيين ممن تفرجوا عليه بغبطة و هو يُجرّع السم، لا لشيء إلا لأنه لم يرض أن يغلق فمه و يتحول إلا إمعة !
رواية حِجاجٍ و احتجاج، فما كتبه البحراوي ورد كاعتراض على هاته “الفلسطين” التي كفر بها القريب قبل البعيد، و كأني به ينادي القارئ: هات يدك و اتبعني حتى أريك فلسطين كما لم ترها من قبل، هناك حيث يهودية بعينين زرقاوين أحبت يهوديا بقوام رشيق، جمعتهما الثورة ضد الظلم و قلبان ينبضان للإنسان لا لغيره، فلعنا الحاخام و الكنيس و احتفلا بالحب دينا و ديدنا، و لمّا دنا الموت قررت الزوجة ألا مكان أأمن لرضيعتها أكثر من يد مسلمة. و ما أعمقها من صورة حين تنتقل القضية في طريقها للنجاة من حشى يهودية إلى حضن مسلمة حاني، بين ليئا و إيلي ثم ميسون و المختار و وجيهة و لمياء فبريجيتا، بين يهودية و مسيحية و إسلام، عهد صادق بين موسى و عيسى و محمد عليهم السلام، فتمكنت البنت-القضية من الخلاص في مستنقع الفقر و القهر و القتل و الاستغلال من القريب قبل البعيد، من خلّصها؟ لا يهم، كلهم خلّصوها !
إنها فسيفساء الانسانية التي لا تحتاج لشيء غير قلب طاهر لا يكيد و لا يغدر و روح مثل جبال الجليل ترفض الركوع في زمن الخنوع !
لم يستهوني كثيرا التركيز على ما هو تقني في هاته الرواية، فهي التي جاءت تشريحا للأحداث و رتقا للوقائع رغم أنها ليست عملا تاريخيا أكاديميا، وردت فلسفة تأملية عميقة رغم أنها لم تكتب للفلاسفة، جاءت رواية بحث و تساؤل و استقصاء و تعرية رغم أنها لم تكن بحثا صحفيا استقصائيا.
و لكم عجبت من كم التفاصيل الدقيقة التي دونها الكاتب، و للحظة تساءلت: ألا يكون قد عاش بين هؤلاء الناس؟ أليس حريا به لكي يكتب ما كتب أن يكون قد ورث ذاكرة أجداده و استأثر بها؟ ألا يكون هذا وحي السابقين للاحقين مزفوفا في هودج الاخلاص لا بل التماهي؟
و في الرواية أيضا حمولة عاطفية بالغة القوة، إذ لم أتمالك نفسي ليترقرق الدمع في عيني و أنا أعيش مشهد طفلة تتقاذفها الأيادي و تتبرم من غوثها أثداء اليهوديات و المسلمات و المسيحيات على حد سواء، لا إلى هؤلاء و لا إلى أولئك، بين البينين، بين التنكر و التنصل من الاصطفاف إلى جانب الانسان و بين ثقافة كسيحة تغذيها الخرافة و الأفكار الجاهزة و الأحكام المسبقة…
و لأن قدر الحب أن ينتصر، انتفض ثدي وجيهة و أعلنت أمام الجميع أن الحليب لله و الحياة لله و أن الانسان أسمى من الأفكار و من الأديان و من يتاجرون بها ! و لنفس السبب قطعت ليئا سرة بنتها و أهدتها لزوجة المختار، فسيل تراب يهودي يؤتي أكله على أرض المسلمين و المسيحيين، لأجل السلام و المحبة و التلاق، و ليس كما آمن البعض بألّا تلاق ! فماذا كان حريا بنا أن نفعل لو كنا مكانها؟ أن تلاقينا ملتقيات الوحدة؟ أم تفرقنا مفترقات الخصوصيات المريضة؟
لا مرية في القول أن الرواية احتفاء خاص أصيل بالأرض و المكان، جوهري هو المكان في هذا المنجز المتفرد، و من غير فلسطين العراقة تحتضن الأحداث و الشخوص، تشهد أنه ههنا أقام بعيد ظنناه قريبا و عدو ظنناه أخا، جعل الحال ضنكا و الماء آسنا و الرغيف أسود ! من هنالك تعلمنا أن ليس لفلسطين غير أهلها، غير أبناء الثرى الذين لعبوا في بساتينها و روابيها أطفالا صغارا…
و قد تكون الشاكلة التي صورت بها الرواية التواجد العثماني بما اعتراه وقتها من جور و شوفينية و همجية محط انتقاد البعض ممن تعجز عقولهم عن التناول الموضوعي، لكنها جرس ينادينا للحظة تأمل نضع فيها الجميع موضع شك، حتى أنفسنا إن تطلب الأمر ذلك، فالناس فيها ليسوا ملائكة يمشون فوق الأرض، الانسان فيها خير و شرير، شريف و خائن، مناضل و منبطح، إنسان و حيوان… إنها فلسطين الأرض الأم، سرة العالم، حيث المعترك، حيث تجري سنة التدافع بين الناس، فإما أن تكون من أهل الحق، و إما من أهل الباطل ! و يالها من مفارقة، بين جثث معلقة في المشانق بهامات مرفوعة للسماء و رؤوس ذليلة ترقب المشهد !
من قال أن الموت فناء؟ من قال أن إيلي و زوجته ماتا؟ و أن المختار و زوجته و بريجيتا و لمياء قد ماتوا؟ و أن الأرض ماتت؟
و هنا لا بد لي أن أتوقف عند صورة الغلاف؛ إنها تعبير عن سنة الانبعاث الكامنة في طبيعة الأشياء، سنة الكون و قدر الموجودات. زنابق تعلوا الماء توقا للأعالي راسمة ظلا بالأسفل كأنها الجذور، كأنها الماضي الذي كانته قبل أن تناطح السماء…
لقد خلدت ليلى كل هؤلاء، كل من ألقمها لقمة أو سقاها جغمة… كلهم عاشوا فيها و هي الشاهدة على همِّ فلسطين، هي وارثة السر من لمياء التي فقدت والدها فاستعبدوها، فقررت الرحيل من الاستغلال و الامتهان، قررت ألا تعصر بقدميها الحافيتين نبيذ معتقا لزناة التاريخ و العدالة، قررت أن تهرب بهما بعيدا بعيدا حيث الحرية و حيث الحياة.
و لا غرابة أن يختار الكاتب أن يكون الوليد -مربط الفرس- طفلة، فما همه منها إلا ذاك الرحم الذي سيكبر ذات يوم أبلج لينجب المستقبل، ليلد من يحمل الحقيقة في الجينات و يصدح بها على مسامع الكون أن كانت بهاته الأرض حياة قبل أن يغزوها زبانية الموت !
كان للقطار رمزيتان متناقضات تماما و متوحدتان في الآن نفسه، فهو الذي يسير بالأحرار إلى المشانق، و هو الذي يقطع بفلسطين و ذاكرتها أرض الموت نحو الخلاص، هو الشيطان اللعين و الملاك الأمين في ذات الوقت، و هو أيضا من يسوق هؤلاء و يهرب تلك لأجل القضية، فالتاريخ يحتاج دائما لقرابين من أطهر ما يكون من البشر و ما أعلاها من مكانة أن يناديك التاريخ لتسجل نفسك في أنصع صفحاته بين الكبار و ليس في سلة مهملة على الهامش بين الجلادين و القوادين و البصاصين !
قطع بنا الكاتب المحيط، بعيدا عن حبيبة فقدت ملامحها، لم يكن ذاك الابحار هربا، بل نجاة بالذاكرة، رغم رغبة لمياء في النسيان، إلا أنه كان عصيا عليها. قررت أن ترحل و تحمل معها ليلى، ما تبقى من الحب و الجمال و التسامح ! و قبل أن تموت أظهرت صدرها تأسيا بأمهات فلسطين طلبا لدعوة مستجابة تنزل من السماء مدرارة كثدي كريم يطفح حليبا زلالا في أفواه أطفال جياع، تضرعت بالحياة لواهب الحياة طمعا في رب لا تهمه الإثنيات و لا يعيقه المكان و الزمان و تركت الموضع مفتوحا … بأن تعود الأرض لسابق عهدها، بأن يسود الحب و الخير و أن يحتضن الناس بعضهم بعضا… و أوصت الحب و الجمال بأن يرجع، نذرا صادقا لكي يعيد الحياة لبلد قتلته الأحقاد، أوصت ليلى بأن تعود لترسم بعينيها الزرقاوين و جدائلها الذهبية أزقة القدس و الخليل و حيفا و كل زقاق في فلسطين بألوان الحب و الحياة و الانسانية، أوصتها خيرا بتراب الوطن و أمواته الذين ماتوا و دفنوا في الهامش… إنها وصية تختزن كل الحب لهذا الوطن الحبيب المغروس في فؤادها. أوصتها على المنبوذين و المهانين و المكرهين على كسر عظامهم لأجل أناس أعدموا الرحمة بداخلهم.
فهل يعود الحب إلى مهبط الحياة؟
هذا ما لم يجب عليه الكاتب، فقرر أن يطرح السؤال و كفى، و يترك للأيام مهمة الإجابة !
السفر القطار البحر





