حديث في العلاقات المغربية الإسرائيلية

italiatelegraph.com

كلما حاول المغرب أو طلب منه الاستئناس برصيده التاريخي للمساعدة والإسهام إلى جانب القوى العظمى في بلورة الحلول لأطول نزاع في تاريخنا المعاصر بمنطقة الشرق الأوسط، إلا وتباينت ردود الفعل ما بين دول تحبذ الحضور المغربي لأنها ترى فيه حضورا وازنا، ودول أخرى ترتاب من ذلك الحضور وتتوهم أن أي تحرك مغربي قد ينزع من يدها خيوط اللعبة التي تريد أن تبقى متحكمة فيها. والمغرب في شخص الملك بصفته الفاعل الأساسي للسياسة الخارجية يدرك تمام الإدراك أن مصداقيته لدى الأطراف الرئيسية للنزاع وهم الإسرائيليون والفلسطينيون غير قابلة للاهتزاز بل هي موضع ثقة لدى تلك الأطراف التي تشدد في المقام الأول على أن يكون حضور المغرب ضروريا لا محيد عنه، إيمانا منها ب أن المغرب لا تحركه مصالح ضيقة تتصل بطبيعة النزاع سوى أنه يريد أن يفضي هذا النزاع إلى حلول منصفة وعادلة. اليوم ما نلاحظه من تحركات على المسرح الدبلوماسي تشير إلى وجود نشاط مكثف على صعيد اللقاءات المغربية الأمريكية من خلال تقاطر مسؤولين أمريكيين في زيارات مكوكية في أبهى مستوياتها تتمثل في شخصيات مقربة من الرئيس الأمريكي مما يفيد بوجود اهتمام كبير من قبل البيت الأبيض سواء على مستوى تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات ذات الطابع الاستراتيجي، أو على مستوى التحرك والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. ولا شك أن التوجه الأمريكي نحو المغرب بهذا الشكل اللافت يؤكد أن واشنطن تدرك جيدا مكانة المغرب ودوره ومصداقيته كفاعل إقليمي في العديد من القضايا المستعصية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كقوة عظمى لها ما لها من نفوذ وسلطة، فهي تبقى في حاجة إلى أطراف إقليمية من عيار المملكة المغربية.

لكن ما هو هذا المخزون الاستراتيجي الذي قد يتوفر عليه المغرب ولا تتوفر عليه الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع بعض القضايا التي تهم على الأقل المنطقة العربية. المغرب، باعتباره دولة عريقة ضاربة في القدم مما يميزها عن بقية دول المنطقة، قد يجعل منها نقطة ارتكاز في دبلوماسية عالم متحرك ومتقلب فاقد للثوابت والمبادئ التي ينبغي الاستئناس بها لمعالجة القضايا الشائكة. وهذه الثوابت قد تجد لها موطنا آمنا في بلد اسمه المغرب. منها أن المغرب كان وما زال قدوة في مبادئ لا يمكن أن يطويها النسيان من قبيل التسامح والتعايش بين أبناء الديانات السماوية من مسلمين ومسيحيين ويهود. كما بات المغرب قبلة لأبناء الطوائف الدينية ولرجال السياسة من مشارب شتى ومن دول مختلفة. ولعل هذا الرصيد التاريخي الذي قلما تجد له نظيرا في بقاع العالم، هو الذي سوف يجعل أمريكا وغيرها أن تقر بالأدوار التاريخية التي يمكن أن يلعبها المغرب، كما اضطلع بها في السابق على مستوى الصراع العربي الإسرائيلي حيث كان له الفضل في تحقيق إنجازات وإحداث اختراقات لم يقو عليها الأمريكيون. قوة المغرب ليست قوة اقتصادية أو عسكرية، كما هي الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي قوة روحية وثقافية يزداد وميضها من خلال كسب ثقة الأطراف التي تتأسس بالاقتناع في ما يبديه المغرب من حياد إيجابي ومن جهد صادق ومن وساطة تحمل على الاعتقاد بأنه جاد ومخلص ويقف على مسافة واحدة من كل الأطراف. وما قد يتم الاهتداء إليه من حلول فهو ثمرة وساطة متوازنة كما هو الشأن بالنسبة إلى المعاهدات التي لعب فيها المغرب أدوارا هادئة بين مصر وإسرائيل. فالروحانيات تفرز لك أحيانا حلولا سرمدية، والماديات التي يغلب عليها لي الذراع تلد لك حلولا غير مكتملة الخلقة وهو حال اتفاقات أوسلو التي ولدت ميتة.

وفي ظل الزيارات المكوكية لمسؤولين أمريكيين من بطانة الرئيس دونالد ترامب، تناسلت العديد من التساؤلات لا تخلو من تشكيك حول ما إذا كانت الآلة الدبلوماسية الأمريكية قد تحركت باتجاه المغرب من أجل تعزيز العلاقات الثنائية أم أن لساكن البيت الأبيض مآرب أخرى. من بين ما انصبت عليه تلك التساؤلات وهو أن تحرك واشنطن لم يكن بريئا باتجاه المغرب كقطب في شمال إفريقيا، وإنما جاء ذلك بغرض حثه وتشجيعه على إعادة فتح علاقات دبلوماسية جديدة مع إسرائيل، لاسيما بعد المواقف الأمريكية التي اتخذت على مستوى مجلس الأمن والتي تصب في خانة اهتمامات المغرب.

ولا يهم ما إذا كانت تلك التساؤلات محقة أم لا أو ما إذا كانت الولايات المتحدة لها حساباتها، بل الأهم منهما استحضار الحسابات المغربية ووضعها في سياق اهتمامات بلادنا في إطار أجندة تنسجم مع القناعات والثوابت الوطنية ومع المصالح العليا للبلاد. ولذلك وجب الاسترشاد في موضوع ترسيم العلاقات المغربية الإسرائيلية بما هو ثابت وبما هو متغير. ونحاول أن نجملها في ما يلي:

1 ـ من الثابت أن تظل المصلحة العليا للمغرب فوق كل اعتبار. وإن كانت تلك المصلحة مع الشيطان فلا بأس من التواصل معه.

2 ـ القضايا الإقليمية تأتي في المقام الثاني بعد المصلحة العليا للوطن. والقضية الفلسطينية قضية عادلة لا يتردد المغرب في الدفاع عنها وليس المطلوب منه أن يتحمل وحده وزرها. فهذه مسؤولية كل الدول العربية مجتمعة بما فيها أهل القضية في الشتات وفي الداخل.

3 ـ الإبقاء على علاقات المغرب مع الدول العظمى علاقات متوازنة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن لها ما لها من نفوذ وتأثير.

4 ـ الأخذ بعين الاعتبار دائما أن دولة إسرائيل ليس دولة معادية للمغرب. دولة تعترف بالوحدة الترابية لبلادنا على خلاف بعض الدول العربية التي تناصب العداء لنا. ويشكل اليهود المغاربة في دولة إسرائيل حوالي 20 بالمائة من سكانها، منهم قياديون سياسيون وأساتذة جامعيون وباحثون في مراكز البحوث والعلم ودبلوماسيون على مستوى صنع القرار، ومسؤولون كبار في المحافل الدولية وحاخامات مؤثرة. هذه القيادات على مختلف مشاربها تحتفظ تجاه السلطان وتجاه مملكته بمشاعر وطنية لا تقل عن مشاعرنا نحن معشر المغاربة.

5 ـ الأخذ كذلك في الحسبان أن الجانب الفلسطيني ليس له من ناحية المبدأ أي اعتراض على أن تكون للمغرب علاقات دبلوماسية ورسمية مع إسرائيل. وهو الأمر الذي لا يمكن للقومجيين في بلادنا ومعهم الإسلامويين أن يستوعبوه. وقد تناهى إلى مسامعنا في غزة ورام الله نقلا عن مسؤولين فلسطينيين أنهم على ثقة تامة بالحضور المغربي في إسرائيل أكثر من أية بلدان أخرى. قناعتهم في ذلك سرها في كون بلادنا لها مصداقية في دبلوماسية أقل ما يقال في حقها ليست لها مصالح مباشرة أو حسابات ترتبط بطبيعة الصراع.

6ـ ومن المتغيرات التي وجب على المغرب أن يستأنس بها في علاقته من عدمها مع إسرائيل، تلك التحولات المتسارعة في مواقف الدول الخليجية تجاه إسرائيل من خلال فتح قنوات للتواصل معها إذ من المحتمل في الأفق المنظور أن تتطور تلك العلاقات في مجالات حيوية يعنى بها الطرف الخليجي في ظل الاختلالات التي تشهدها المنطقة.

7ـ في حمأة هذا الحديث وتزايده عن احتمال إقامة علاقات مجددا بين المغرب وإسرائيل، وإذا ما صحت هذه التكهنات، فإن المغرب مدعو قبل الإقدام على أية خطوة إلى التشاور مع بعض الأطراف العربية المعنية بهذا المسلسل، لإطلاعها عن نوايا بلادنا من أي تحرك يراد به نسج علاقات مع إسرائيل وذك بغية إيجاد بيئة عربية خالية من أية تشنجات محتملة قد ترتب عن ضبابية وتعتيم في المواقف.

8 ـ إذا صح القول بأن التحركات الأمريكية تجاه المغرب أريد بها كذلك إقناع بلادنا بأن يكون لها تمثيل دبلوماسي في إسرائيل، فإننا نعتقد أن المبدأ لا ينبغي أن يكون عليه اعتراض للاعتبارات الموضوعية التي أتينا على ذكرها، لكن ما يجب أن نشد الانتباه إليه وهو أن التوقيت غير مناسب كونه يقترن بالمشهد السياسي في إسرائيل حيث المعركة الانتخابية على أشدها. ولذلك يجب الإحجام عن اتخاذ أي موقف في هذه الفترة حتى لا يستغله بنيامين نتنياهو كورقة تزكية من المغرب ضد خصومه في الانتخابات التي تضيق الخناق على مرشح اليمين.

ولكل هذه الاعتبارات، فإن الحديث والحسم في موضوع العلاقات المغربية الإسرائيلية تبقى له مرجعيته كما تشهد على ذلك الممارسة والقوانين الأساسية ومن أهمها أن السياسة الخارجية لبلادنا هي مجال محفوظ لجلالة الملك. وخير ما قد يحدث وخير ما قد يعتد به لأنه في شخص جلالته تتقاطع كل المرجعيات الروحية والسياسية وكل المبادئ من تسامح وتعايش. وأي هراء يتقيأه الحالمون بعوالم الوهم من القومجيين والإسلامويين يبقى حديثا من أحاديث العبث في السياسة. هؤلاء يصح فيهم القول إنهم يقولون ما لا يفعلون. ومن يدعي أن النصر آت لا ريب فيه فلا أحد يقف في وجهه ليركب البراق إلى مسرى الرسول عليه السلام. فالقدس تنتظرهم ومن لا يعرف الطريق إليها، فهي تمر عبر الأردن ومنه إلى أريحا في صعود عبر التلال واختراق المستوطنات إلى بهية المآذن. وإذا لم يستطيعوا فليكمموا أفواههم عن التشويش، وليحجموا عن التعاليق التي قد يثيرها فيهم هذا المقال. وفي ظل اختلال الموازين يبقى خيار السلام خيارا استراتيجيا.

italiatelegraph.com


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...