بقلم زيد عيسى العتوم
بالرغم من ثمار الحياة العصرية ووسائل الراحة التي تنضج وتتسارع بلا هوادة, وبتسليط حُزم الضوء على عِراك الجوانب المادية والروحية في حياتنا أينما ومتى كنا, يبقى السؤال حاضراً والجواب حائراً عن أسباب التعاسة التي يعيشها الكثير من الأفراد, وعن عدم الشعور بالسعادة الذي يلازم الكثير من المجتمعات, ناهيك عن العجز المتأرجح عن ردم الفجوة بين مكتسباتنا الملموسة ومفقوداتنا المحسوسة, ومواجهة أحزاننا وأمراضنا المدسوسة, والتمسّك بما تبقى من قيمنا الانسانية المغروسة, وبعيداً عن الحنين للماضي والانكفاء عن التطوّر, لا ندري هل أرضى “التكييف” غرور البشرية بأكثر من أوراق النباتات التي طالما وقَتهم حرّ الصيف اللاهب, وهل أجابت “التدفئة” على هواجس البشرية بأعمق وأسهل مما فعلت قطع الحطب المتناثرة, لكنّ للابتسامة مساربها وللطرافة طعمها ورائحتها, وللغرب الذي طالما نعتناه بميكافيلية الغاية والوسيلة, ونسينا أن الغايات قد تشابكت وتنوّعت, وأن الوسائل ما عادت تخطر على قلب بشر, للغرب لمساته الملفتة ونسماته الرقيقة, ودروسه التي تستحقّ الوقوف عندها لفهمها ومحاكاتها, خاصة تلك التي تجري وتستقرّ بين جنباته ومكوناته, فتجعلنا نُرخي حزام وقيد المؤامرة الذي أحيطت به شَطَحات أفكارنا ومسوّغات عجزنا, فنتأمل حينها وربما نبتسم.
لقد تنوّعت أسباب وأشكال النزاعات العربية العربية وعلى مدى عقودٍ طويلةٍ من الزمن, اكتست غالبيتها بألوان الصراع العسكريّ والاقتصاديّ والدبلوماسيّ والدعائيّ وحتى التخريب السياسيّ والتآمريّ, انتهت بعضها كلياً أو جزئياً ربما بمبادراتٍ مسيّسة خارجية, أو بدورةِ الازمان والظروف وتعاقب الحكّام وتغيّر أولويات الشعوب, فكانت الآثارُ متعبةً والتكاليفُ باهظةً وموجعة, وبقي البعض الآخر يُراوح مكانه كميراثٍ تتوارثه الأنظمة وللحاضر مثل حظ الماضي!
في هذه الأيام تُنهي كندا والدنمارك خلافهما “الهاديء” والمستمر منذ ما يقرب الخمسة عقود, ويتمحور ذلك الخلاف البائد حول السيادة على جزيرة هانز الصحراوية وغير المأهولة في القطب الشمالي, وقد وقّع الطرفان اتفاقاً رسمياً وملزماً يقضي بتقسيم ملكية تلك الجزيرة الواقعة بالقرب من غرينلاند بينهما, وقد أدى ذلك الى إنشاء أول حدود برية بين كندا واوروبا, واعتبر الكثيرون هذا الاتفاق بين أوتاوا وكوبنهاغن نموذجاً للصراعات اللينة والحروب الودّية بين الدول.
المُلفت والطريف في ذلك النزاع المنطفيء والخافت للاستحواذ على تلك الجزيرة الجرداء, والخالية من البشر والشجر وليس فيها الا الحجر, هو تسميته ب “حرب الويسكي”, ففي العام 1984 قامت القوات الكندية برفع علم بلادها فوق الجزيرة ووضعت بالقرب منه زجاجة “ويسكي”, وبعد فترة من الزمن قام أحد الوزراء الدنماركيين بزيارة الجزيرة, فأزال العلم وترك زجاجة الويسكي على حالها, وأرفق مع تلك الزجاجة الحائرة جملة ” مرحباً بكم في الجزيرة الدنماركية”, فكانت تلك الشرارة “الناعمة” بداية للمعضلة وأصلاً للتقاضي بين الطرفين, فطُبخت المسألة على نارٍ هادئة, ولم يلجأ الافرقاء الى العسكرة والتصعيد والمهاترات, لست أدري كم يلزمنا في عالمنا العربيّ من تلك الزجاجات ” المحرّمة” لتغليب لغة الحواروضبط النفس على لغة القطيعة والبغضاء!





