التدين المغربي: خطورة التفسيرات الباردة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د. كمال القصير

 

 

التدين المغربي صارم وإن بدا لك في ثوب ناعم. فيه من الانفتاح بقدر ما فيه من الصرامة والانضباط. إنه حالة مختلفة في المنطقة العربية والإسلامية على الحقيقة. مصطلحاته وأفكاره بالغة الخصوصية. عندما يقول أمير المؤمنين في خطبه: “قال جدي رسول الله” فلا تتوقع أن تجد مثل هذه المعاني في المنطقة. وعندما يردد المغاربة كلمة” نصر الله أمير المؤمنين” فإنهم بدون وعي يواصلون تاريخا طويلا من مغامرة الإسلام الكبرى.

التماهي مع الرؤية القومية

إن وقع مثل هذه الكلمات على المشارقة مختلف، ووقعها على المغاربة بسبب تعودهم على سماعها يجعلهم أحيانا لا يعرفون كم هي معبرة عن نمط خاص جدا من العلاقة بالدين. نعم كلمة نصر الله أمير المؤمنين، وإن لم تكن هناك حرب قائمة، تعكس وعيا دينيا تاريخيا ومجتمعيا أكثر من كونها مجرد دعاء. كل هذا يدفعنا إلى القول إن التدين المغربي مسؤول بشكل كبير بالنسبة لمستقبل العالم السني.

التدين المغربي بالغ التماهي مع الرؤية القومية. لكنه مثل الماء الذي يسري في جسم المغاربة، ولا ينفذ إلى الخلايا. يخطئ من يرى أن تحديد طبيعة ودرجة التدين المغربي، تتم فقط بناء على الإجابة على أسئلة بسيطة وساذجة أحيانا، مثل كونك مواطنا مالكيا أو مواطنا أشعريا أو صوفيا؟
إنها أسئلة هامة لكنها ليست كافية أو حاسمة. الأسئلة الجديدة المحددة للتدين أصبحت من قبيل: ما مدى حضور القيم المادية في سلوك الأفراد والمجموعات؟ وما درجة محافظة الناس على خصوصياتهم الفكرية والاجتماعية ضمن عالم متحول؟ وإلى أي حد يتمتع الأفراد بوعي، ولو بسيط بالتاريخ؟

إعادة تعريف المذهب

هندسة مشاعر الناس وشعورهم الديني أمر يتجاوز قدرات المذهب، وبشكل خاص المذاهب التي يفصلها عن التجديد زمن طويل، ولا تمتلك رموزا كبيرة ومؤثرة في الواقع الحالي محليا. يبدو أن إعادة تعريف معنى المذهب والتمذهب من الناحية الاجتماعية أمر ضروري. ذلك أن صيغة التمذهب في التاريخ الفقهي والعقدي ترتبط بطبيعة المجتمعات وأساليب التعليم وأدواته التي تفرضها كل مرحلة زمنية. إن مفهوم المذهبية ودرجة الانتماء تتغير تاريخيا تبعا لظروف عديدة، أهمها تغير نمط الوعي المجتمعي. أما التمذهب بالمنطق الحالي وفق التغيرات التي مست الاجتماع المغربي شديد الانفتاح، فيتخذ طابعا مختلفا.

فلا التعليم هو التعليم القديم، ولا صاحب التجارة هو التاجر نفسه الذي كان يعيش في فاس وغيرها من المدن العتيقة، ويتمتع بمعرفة دينية واسعة. ولا الوعي المغربي هو الوعي نفسه، الكل يتغير. إن محاولة وضع الناس ضمن إطار واحد في عالم منفتح ومتعدد، يسيطر فيه مفهوم التفاهة، ويعرف سيولة فكرية ما بعد حداثية، ونزوعا نحو تجاوز البنى الثقافية، يجعل تبني تفسير جديد للتمذهب ضروريا. وفي تقديري فإن جعل التمذهب وعيا مجتمعيا، عوض كونه مجرد إطار محدد أمر أساسي. إن لعبة الوعي هي مفتاح التحولات في العالم.

إن أنظمة المعرفة المعاصرة تتجه إلى تحقيق أعلى معدلات التواصل مع الوعي العادي والعام للناس. ويظهر هذا بوضوح في كيفية اشتغال نظام التفاهة، من حيث تبسيط الأفكار وجعلها أكثر تواصلية وتداولا.

الجماعة والإجماع

أهم ملمح في التدين المغربي هو قيمة الجماعة والإجماع، التي لا ينتبه إليها الكثيرون. المغاربة متفقون على الرؤية الدينية نفسها، ولا ينقسمون دينيا. وهذا الشعور يفوق فكرة التمذهب نفسها. ولم تؤثر مختلف القوى السياسية منذ الاستقلال في طبيعة الإجماع حول الإسلام المغربي.
التدين المغربي في ملاحظة أساسية لا يعرف حاليا موجات تأثير آتية من الشرق على غرار العقود الماضية. فهو يعيش حاليا أكثر لحظات الهدوء، ضمن حالة الفراغ من الأيديولوجيات الكبرى مثل الإسلام السياسي. لكن لحظة الهدوء الحالية خادعة بالنسبة للمستقبل. الهدوء والفراغ يمهدان لصيغ قادمة، فالطبيعة تأبى الفراغ، والتدين يصعب أن يبقى على عمومه.

ما يمنح التدين المغربي ملمحا خاصا في الوقت الحالي ليس هو الأشعرية أو التصوف أو حتى المذهب المالكي، فتلك مكونات يشترك فيها المغاربة مع كثير من المسلمين في العالم الإسلامي. وحديث بعض المثقفين عن التدين المغربي من هذه الزوايا اختزال كبير ونظرة غير مكتملة.
الأشعرية وحتى السلفية وغيرهما بالوضع الحالي من غير تجديد لا توفر الأمن الفكري للمغاربة ولا للمشارقة. إن أكثر القضايا الخطيرة والمتحدية لإنسانية الإنسان في العالم لا تقدم فيها الأشعرية ولا السلفية أمنا فكريا، بسبب توقف عملية التجديد. كانت المذاهب العقدية تعمل على توفير الأمن للإنسان في معرفته بالله وصفاته. كان الجدل والاختلاف في الماضي يدور غالبا حول تفسير صفات الله. أما الآن فإن صفات الإنسان نفسه باتت هي المعضلة في العالم. بين الشذوذ والمادية والإلحاد والتفاهة وفلسفة السيولة، فإن إنسانية الإنسان وصفاته أصبحت هي محور الأزمة.

التدين المغربي له صيغة عالمية بسبب وجود المغاربة في كل العالم. وهنا لا بد من التساؤل عن مدى كفاية الإطار المذهبي الأشعري أو الصوفي الروحي في بيئة خاضعة لمقتضيات قيم ما بعد الحداثة والعولمة. إن الصيغة التقليدية تواجه صعوبات عديدة، فهي بحاجة إلى التغذية بالمفاهيم المساعدة على المقاومة. المشكلة هناك لا يحلها كونك أشعريا أو مالكيا أو متصوفا يعيش في الغرب. إنما تحلها درجة وعيك الثقافي بالقيم العالمية. ومدى قدرتك على تجاوز معضلات الحريات ومنظومة التفكير المادي.

عندما تخاطب مغاربة العالم فإنك في حاجة إلى النظر في نمط تدينهم على أنه ينبغي أن يصب في اتجاه رفع درجة الانتماء القومي. التدين المغربي هناك يصبح دوره هو الربط بالهوية والجذور القومية والوعي التاريخي لضمان الاستمرار. لا مجرد الارتباط بإطار مذهبي رغم أهميته.

ارتخاء المكونات

تبدو إمارة المؤمنين الشريفة هي المكون الأكثر فاعلية في الوقت الحالي من بين المكونات الأخرى للتدين المغربي. وهي الأكثر امتدادا وتوجيها للوعي المغربي. إمارة المؤمنين تقدم انضباطا سلوكيا واضحا، تستطيع ملاحظته في سلوك المغاربة في صلاة الجمعة. فهم يرددون حديث النهي عن اللغو بسنده المتصل كما في الموطأ، حتى حفظه المتعلم والأمي. ويختمون الصلاة بالدعاء لأمير المؤمنين بصيغة واحدة.

تتضح محدودية تأثير باقي الأطر المذهبية عندما ننظر إلى الإدراك الجمعي من خلال التطبيقات اليومية التي يمكن ملاحظتها وتتبعها. لا من منظار النخبة المثقفة، التي تعتقد أن نقاشاتها الخاصة، تشبه الحوارات التي تحتضنها أركان المجتمع ومساحاته من الأسرة إلى المجال العام.

لا يكون المذهب مذهبا، حتى يذهب به وإليه الناس، باستلهام منهجه وتعاليمه في حياتهم. ومن غير ذلك يكون إطارا فارغا من حيث الفاعلية الثقافية والآثار الاجتماعية. لكن كيف تستطيع أن تجعل المواطن المغربي متدينا أشعريا؟ بالتأكيد إن هذا الأمر لا يتم بناء على سرد تاريخ ومقولات الأشعرية على طريقة الأكاديميين. ولكن من خلال عملية تبسيط كبيرة للأفكار الأساسية، وجعلها وعيا قريبا يساعد الأفراد على رؤية العالم. وقبل ذلك ربط المخيال الجمعي بالرموز وإحداث صلات نفسية معها. على نمط تعامل الشيعة مع رموز آل البيت في المجال الخاص والعام. لابد أن يكون للتدين قصة. لا يكفي الناس لاعتناق شيء، مجرد الاقتناع بالإطار الفكري. الناس تنسى الأفكار، لكنهم أبدا لا ينسون القصة ورموزها.

تدين عام

تصرفات المغاربة لا تستحضر بالضرورة تعاليم المذهب المالكي دائما. وبالنسبة للشباب فإنك ستجد صعوبات بالغة في استخراج معلومة تتعلق بمعرفتهم بشخصية الإمام مالك. يُفترض أن الأشعرية هي ما يقدم الخلفية المعرفية للمغاربة بالنسبة لرؤيتهم للإنسان والله والعالم. وبهذا الاعتبار فهي بالغة الأثر من حيث كونها تقدم ما لا يقدمه الفقه في هذا الجانب. إن حضور الأشعرية في التصور الجمعي للمغاربة محدود جدا. وسوف تلاحظ أن غالب ما يسأل عنه المغاربة من الفتاوى والاستفسارات عند الحاجة والضرورة، يتعلق ببعض الجوانب الفقهية، مما له اتصال بالحدث اليومي ومشكلاته.

وإذا أردنا معرفة حالة الإطار الأشعري الحالي على أهميته بالنسبة للإجماع في تاريخ المغاربة، فإننا ينبغي أن ننظر في حجم ونوعية أسئلة الناس واستفساراتهم التي تتعلق بقضايا العقيدة والكون والإنسان. وهنا قد تكون النتيجة صادمة. فذلك النوع من الأسئلة لا يخطر إلا على بال قلة قليلة ممن اطلعوا على بعض مسائل العقيدة، أو يشعرون بالحاجة إلى استيعاب بعض أركانها.

إن المشكلة كبيرة من هذه الناحية، ذلك أن أسئلة الناس وطلبهم للفتاوى حول قضايا القيم والاعتقاد والإنسان والكون تكاد تكون الحلقة الأضعف. الذين يسألون يركزون على العبادات وجوانب من المعاملات، وقليل جدا من يسأل عن الاعتقادات والتصورات والمفاهيم.
يصنع المغاربة إجابات خاصة بالنسبة لطريقة صلتهم بالدين. ففي العرس المغربي جواب مجتمعي على الحداثة. الكثيرون يحرصون على سماع قراء القرآن في يوم مصحوبة بالمديح وكلمات الوعظ، ثم يستمتع الأشخاص بليلة غناء ورقص في اليوم الموالي.

في كثير من الأحيان سوف تجد شخصا حريصا على رفض المساس بأدق خصوصياته في الفضاء الخارجي، ويرفض التعدي على خصوصياته المقدسة. لكن الشخص نفسه بعد ساعات قليلة يتحول حرصه على خصوصياته إلى سعادة كبيرة، وهو يكشف ما يفوق الخصوصيات، راقصا أمام أنظار آلاف المتابعين، في بث مباشر على وسائل التواصل، من غرفة النوم أو المطبخ. إن البعض يعتبر ذلك نوعا من ثقافة التواصل لا غير. لكن القليل من يدرك أن سبب هذه التحولات هو تغير مفهوم الخصوصية ومعناه لدى الناس. وكما تتغير دلالات الكلمات فإن دلالات المفاهيم تتغير أيضا.

المغاربة يميلون حاليا إلى متابعة الوعاظ أكثر من متابعتهم العلماء المتخصصين في الفتوى، ويمنحونهم أعلى درجات المتابعة والاشتراك في أدوات الاتصال. وتجد الكثير من الشباب يستضيفون الوعاظ في المعاهد العلمية والمدارس الحكومية أكثر من استضافتهم للفقهاء. وذلك بسبب قدرات الواعظين على التواصل عبر أدوات التكنولوجيا الحديثة، ولأسباب أخرى تتعلق بدرجة الحرية التي يتمتع بها الوعظ غير الرسمي.

يمتلك المغاربة شعورا دينيا مرتفعا، لكن الشعور والحس الديني يختلفان عن التدين، الذي يتطلب التزامات عملية عديدة. ولذلك نجد صعوبة في إدراج كثير من المشاعر الدينية ضمن قياس مستوى التدين. سوف نجد انضباطا وحرصا في كثير من المسائل التي تحتمل التساهل، وتساهلا في كثير من القضايا التي تحتاج انضباطا.

*كاتب مغربي

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...