*محمد فرحات
البيضاويين يبكون ماضيهم ويتأسفون للوضع الكارثي و المأساوي الذي آلت إليه أحيائهم وأزقتهم وما كان من ساحاتهم وكل مجالهم الحياتي والمعيشي. يتحسرون على إرثهم الثقافي والحضاري الزاهر الذي جعل مدينتهم في وقت ما ترقى الى مصاف الحواضر الكبرى ذات الاشعاع الثقافي العالمي.
كل الشوارع الكبرى مؤثثة بورشات بناء لا يشيد وآليات الحفرللزينة وذر الرماد في العيون. فوضى عارمة تؤثر على وسائل النقل الخاصة والجماعية فتهترئ السيارات وتكثر الحوادث ويفقد المرء ثباته و رصانته.
فلول من المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء يفترشون في مجموعات مشروع طريق الترامواي على طريقة العيش في مدنهم وقراهم.
يمكن ملء أكثر من صفحتين تعدد مطبات العيش في الدار البيضاء ليبقى السؤال: على من ترجع المسؤولية ؟
ترجع المسؤولية السياسية والأخلاقية بالطبع على المنتخَبين الذين تنافسوا في اقتناء سيارات فارهة للخدمة ولم يتواصلوا في موضوع برامجهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يحضرون اجتماعات المجالس لا لشيء الا حبا في الغوغاء ورشق كؤوس القهوة والشاي.
وكم كان عجبي لما سمعت على أثير اذاعة خاصةً رئيس مجلس جهة الدار البيضاء سطات يقر بوجود “غنيمة حرب “trésor de guerre” وهي كلماته التي نطق بها و لا يدري كيف يصرفها. وأنا أتفهم موقف الرجل وهو الآتي من صفرو، المدينة الصغيرة التي لا تفتأ تئن تحت وطأة مشاكل الفقر والهشاشة والعزلة الاقتصادية والاجتماعية ولم يفلح في حل مشاكلها حينما كان على رأس منتخبيها فكيف به ان يفهم مشاكل مدينة كبيرة و يستوعبها قبل البدء حتى في التفكير في حلها.
اعترف صاحبنا في ذات البرنامج الإذاعي بمشاكل الحوكمة وعلى رأسها غياب التواصل السياسي بينه وبين العمدة والوالي فما بالك بالتواصل العملي.
مر شهر على هذا اللقاء ونحن الآن في عز الصيف وسيكون من باب الحلم أو الخرف ان نتصور ان الدار البيضاء ستكون في مستوى التحديات الآنية ، ناهيك عن التحديات المقبلة.
المسؤول الأول والأخير عن هذا الوضع هم البيضاويون أنفسهم لأنهم آلوا على انفسهم الا أن يضعوا ثقتهم في من ليسوا منهم اولآ ولم يسائلوهم على وعودهم الانتخابية ثانيًا. فلا بكاء يواسي ولا استجداء يشفع ولا حتى النداء يسمع. صفعتهم يمينهم فليمسحوا بشمالهم. ما دهاهم أن يختزلوا عيشهم ومستقبل أطفالهم في حلوًمصاصة ان يفضل منها في ايديهم الا عود خش.
خلال مدة مقامي في بيت العائلة بأحد الأحياء الشعبية، سألت بعض ساكنة الحي عن سبب غياب الخدمات الإدارية والاجتماعية الأولية الموكولة للسلطات المنتخبة والإدارية وعن تواصلهم مع الناخب الذي حظي بتصويتهم عليه للمرة الثانية. لم يروه منذ الحملة الانتخابية بالطبع.
ماذا عن عمدة الدارالبيضاء وليدة المدينة و المتمرسة في أدق الميادين الاجتماعية ألا وهو الصحة العمومية.
اظن انه كما كان لأصحاب القرار السياسي الفطنة لإعفائها من مسؤولية وزارة الصحة، قد يكون آن الأوان لاعادة النظر في مسؤوليتها الانتخابية، لان الحِمل اكبر من ان يكشف عليه سماعتها الطبية وحتى أدق مجهر مختبري في متناولها. ومن قلة البصيرة أن تقوم بمهمة استطلاعية ودراسية لباريس في إطار علاقات التعاون بين المدينتين. ولا يخامرني شك ان تاطير سفارة المغرب بباريس سيكون أدى وظيفته الاصطحابية على أحسن وجه لترى كيف تسير مدينة الأنوار وكيف رسمها واحسن صنعتها Haussmann Georges eugene وارسى قواعد النظافة فيها Eugene Poubelle .
كنت اتمنى على السيدة العمدة ان تنهج نهج العملي و تحدو حدو الفعالية وتزور مدنا افريقية تعد مثالا في التنظيم والتسيير وسياسة المدينة عامة، وأخص بالذكر كيغالي عاصمة رواندا، بريتوريا عاصمة جنوب افريقيا، لوساكا عاصمة زامبيا وليلونغويًعاصمة مالاوي.
في كل الحالات، تعود المسؤولية في البداية والنهاية إلى الناخب البيضاوي وعزوفه بازدراء وجهل عن ممارسة حقوقه المدنية وواجباته القانونية. انتخاب الممثلين حق ولكن المتابعة واجب.
لن يسعفه الآتي من صفرو، ولا زحيليكة أو زاكورة او باريس او نيويورك. خلاص البيضاوي اولا وأخيرًا في تحمل مسؤولية بيته والمحيط الملتصق مباشرة بمنزله وحيه بتاهيلهم لخلق الأجواء الصحية السليمة وأسباب العيش الكريم. وبتظافرالجهود الفردية والجماعية تتسع رقعة الإصلاحات والعمل الجاد. حينها سيكون قد وضع اللبنة الاولى في منطومةًالحكامة الرشيدة. خذوا العبرة من الصين ، جلبتم لدرب عمر، القلب الاقتصادي النابض للمغرب ابخس خردتها ولم تنتبهوا لحسن النظام والتسيير والتنظيم في بلاد المليار ونصف من السكان.
فلن تزر وازرة وزر اخرى
*سفير سابق ، ابن الحي المحمدي





