وزراء بلدان إسلامية ينادون من تونس بجعل الثقافة دعامة للتنمية

italiatelegraph.com

وسط تحدّيات جمّة تواجه الثقافة الإسلامية في ظل تعرض عدد من معالمها التاريخية والتراثية للهدم والاندثار، انطلقت أشغال المؤتمر الإسلامي الحادي عشر لوزراء الثقافة، الثلاثاء، في العاصمة التونسية تونس.

وحملت الكلمات الافتتاحية للمؤتمر دعوات إلى الانكباب على صيانة ما تبقى من مؤسسات التراث الثقافي الإسلامي، والعمل على ترميم المعالم التي طالها التجريف والهدم، وتقييدها في قائمة التراث الإسلامي.

في هذا الإطار، قال سالم بن محمد المالك، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإسيسكو)، إن المنظمة تضع صيانة التراث الثقافي الإسلامي ضمن أولوياتها؛ إذ تبذل جهودا حثيثة للحفاظ على هذا التراث بتعاون مع الدول الأعضاء في المنظمة.

وكثّفت الإدارة الجديدة للإسيسكو عمليات تسجيل المواقع الأثرية الموجودة في الدول الأعضاء بالمنظمة ضمن التراث الإنساني الإسلامي، حيث تم تسجيل 132 موقعا خلال سنة 2019 فقط، متجاوزة بذلك سقف تسجيل 100 موقع الذي وضعته اللجنة المشرفة على هذه العملية.

وعبّر سالم بن محمد المالك عن أسفه لتعرض عدد من المؤسسات الثقافية والتراث الثقافي في بلدان العالم الإسلامي للتحريف والاندثار والتدمير والسرقة والنهب، موردا أن قائمة التراث العالمي المهدد بالاندثار تضم 37 موقعا توجد كلها داخل دول العالم الإسلامي، من مجموع 54 موقعا مهددا، أي ما يمثل حوالي 70 في المئة من المواقع التراثية على الصعيد العالمي.

وكانت الدول الأعضاء في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة قد اتفقت على إحداث لجنة التراث في العالم الإسلامي سنة 2007، لكن عمل هذه اللجنة كان متعثرا؛ إذ لم تسجل سوى خمسة مواقع فقط في قائمة التراث الثقافي بالعالم الإسلامي منذ إحداثها إلى غاية السنة المنصرمة.

واعتبر سالم بن محمد المالك أن تمكّن الإدارة الحالية للإسيسكو من تسجيل 132 موقعا ضمن قائمة التراث الثقافي في البلدان الإسلامية، “يعدّ إنجازا كبيرا ومَكسبا حقيقيا يدل على انخراط الدول الأعضاء في هذا المشروع الكبير للمحافظة على تراثنا”.

المالك دعا وزراء الثقافة وجهاتِ الاختصاص في العالم الإسلامي إلى مواصلة تقديم الملفات التقنية لتسجيل جميع المواقع التراثية، المادية وغير المادية والطبيعية والصناعية، الموجودة في البلدان الإسلامية على لائحة التراث في العالم الإسلامي.

ولتحقيق هذا الهدف، أحدثت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة وحدة خاصة بمعاييرَ علمية ودولية صارمة، وفق ما بيّنه المالك، مشددا على أن الإسيسكو تبذل جهودا لتكون موطنَ تسجيل التراث بشتى أنواعه في العالم الإسلامي، وزاد موضحا: “يمكن أن أقول بكل أريحية إننا دخلنا عصر تدوين التراث الثقافي والحضاري الإسلامي”.

وستنكبّ الإسيسسكو على ترجمة برنامج تسجيل المواقع التراثية الإسلامية على لائحة التراث في العالم الإسلامي، بتقييد مجموعة من المسارات التاريخية والنموذجية، مثل طريق الحج وطرق القوافل التجارية وطرق الرحالة والعلماء والطلبة، وكذا المخطوطات.

المدير العام للإسيسكو دعا إلى النهوض بالثقافة، و”التوقف عن اعتبارها قطاعا ثانويا لتأثيث المشهد العام في السياسات العمومية”، مشددا على أن المدخل إلى التنمية عبر الثقافة أصبح أحد الاختيارات الاستراتيجية ذات الأولوية بالنسبة للمنظمة.

جعْل الثقافة رافعة للتنمية في بلدان العالم الإسلامي يقتضي، حسب سالم بن محمد المالك، توظيف الدبلوماسية الثقافية والرأسمال الثقافي لخدمة التنمية الثقافية، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للدول الأعضاء، وتصدير الثقافة الإسلامية إلى العالم، ومواكبة التحولات الرقمية للنهوض بالثقافة، وإشاعة الإبداع والابتكار لدى جميع فئات المجتمع، من أجل إبراز غنى التنوع الثقافي في المجتمعات الإسلامية، وتوفير مصادر جديدة ومتنوعة لتمويل المشاريع الثقافية.

وفيما يحذو الإسيسكو طموح لتصدير الثقافة الإسلامية إلى مختلف بقاع العالم، فإن تجويد مضمون ما يُراد تصديره ما زال يشكل هاجسا كبيرا، في ظل تنامي ثقافة التطرف والغلو والانغلاق في صفوف بعض فئات المجتمعات الإسلامية.

في هذا الإطار، شدد المدير العام للمنظمة على أن المشروع الثقافي الذي يحتاجه العالم الإسلامي اليوم لمواجهة وتجاوز التحديات المستقبلية، ينبغي أن يُبنى على جعل الثقافة أولوية استراتيجية وقاطرة تنموية للتربية على قيم السلام والجمال والتنوير والمحبة والسلام والاحترام والتنوع والاختلاف.

هذا التوجه بدا جليا من خلال الآيات القرآنية التي تُليت قبيل افتتاح المؤتمر الإسلامي الحادي عشر لوزراء الثقافة بالعاصمة التونسية؛ إذ تلا الإمامُ آية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”، كما تجلى في الكلمات الافتتاحية الرسمية.

في هذا السياق، قال محمد زين العابدين، وزير الشؤون الثقافية التونسي، إن الدينامية الثقافية التي ينبغي أن تسود في بلدان العالم الإسلامي، يجب ألا تقصي أحدا، وأن تكون ثقافة مواطنة تقر بالحقوق والحريات الفردية العامة، مع ضمان الحق في الثقافة للجميع.

وخصص العابدين الحيز الأكبر من كلمته أمام وزراء الثقافة بالعالم الإسلامي لاستعراض المنجزات التي حققتها تونس في المجال الثقافي، مشددا على أن من أبرز السياسات التي نهجتها تونس، التي اختيرت عاصمة للثقافة الإسلامية هذه السنة، تكريس اللا مركزية الثقافية، وذلك بتمليك الجهات أقطابا ثقافية مكنت من جعل الثقافة ركيزة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وبالتالي مصدرا لتوفير الموارد المالية.

من جهته، دعا فيصل بن محمد صالح، رئيس المؤتمر الإسلامي العاشر لوزراء الثقافة وزير الثقافة بجمهورية السودان، إلى الاستثمار في الثقافة لتمكين المجتمعات الإسلامية من تجاوز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعترضها في الوقت الراهن، وتجاوز الجمود الذي تعاني منه، كما دعا إلى تكثيف وتوسيع التعاون بين دول العالم الإسلامي، والانفتاح على كل دول العالم.

وتشارك في المؤتمر الحادي عشر لوزراء الثقافة، المنعقد تحت إشراف الرئيس التونسي قيس سعيد، وفود من خمسين دولة، وستة عشر منظمة دولية وإقليمية، وستتمخض عنه توصيات يُنتظر الإعلان عنها بعد اجتماع مغلق مساء اليوم.

وسيختتم المؤتمر بحفل تظاهرة تونس عاصمة الثقافة الإسلامية، حيث سيُسلم المشعل إلى دولة مصر التي ستكون عاصمة للثقافة في 2020.

italiatelegraph.com


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...