هل انطلقت المقاومة الشعبية في شرق سوريا؟

 

 

 

 

 

 

*غسان الاستانبولي

 

 

 

 

ما من شكّ، أن جغرافيا ردود أفعال محور المقاومة على اعتداءات المحور الذي يقوده الأميركي والإسرائيلي، كانت تخضع لعوامل أجبرتها على أن تكون ردوداً مقيدة، ومحدودة، وغير مُعلنة في معظم الأحيان، ولكن مع تغلّب محور المقاومة على هذه العوامل، التي يأتي في مقدمتها تراجع الدور الأميركي في المنطقة، وظهور محدودية القدرة الأميركية، وخاصّة بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وما أفرزته من نتائج على مستوى المنطقة والعالم، ويأتي ثانياً التباعد الروسي الإسرائيلي، ولو أنه تباعد محدود ولكنه كافٍ لتوسع هامش التحرك المقاوم، وثالثاً يأتي الموقف الصيني المتقدم تجاه سوريا، الذي كانت بواكيره التعهد الصيني بالعمل على زيادة قدرات الجيش السوري، والذي بدأ بمجال الاتصالات بشكل علني، وربّما يكون هناك مجالات غير مُعلنة، والعامل الرابع، ولو أنه مازال قيد التبلور، هو نجاح روسيا في ترويض الموقف التركي بما يخص سوريا، ونجاحها بجذب التركي، ولو قليلاً، وبطبيعة الحال، فإن كلّ خطوة تُقرّب التركي من الروسي تكون بمفعول خطوتين، كونها بنفس الوقت تُبعد التركي عن الأميركي، مع العلم أن مواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غير مضمونة، وقد تنتهي مفاعيلها بانتهاء الإنتخابات الرئاسية التركية القادمة، كون جميع خطط وخطوات أردوغان تهدف إلى الفوز بالرئاسة التركية، ولهذا يسعى للتقارب مع القيادة السورية، لأن هذا التقارب، لو أثمر، سينتزع من يد منافسيه ثلاث أوراق دفعة واحدة، أولها، ورقة عودة اللاجئين السوريين، الذين أنهكوا الإقتصاد التركي، وثانيها، ورقة الفصائل الإنفصالية الكردية، التي تسعى لتشكيل دولتها على الحدود التركية، وثالثها، التخلص من أعباء دعم الفصائل المُسلحة الخاضعة للسيطرة التركية وفي هذه الأوراق تتلاقى المصالح التركية مع سوريا، التي لا يعنيها من يصل إلى الرئاسة التركية، بل يعنيها الرئيس الذي يستطيع مساعدتها لحل هذه المسائل، وواضح أن أيّ رئيس آخر غير أردوغان لن يملك القدرة على ذلك، وبطبيعة الحال فأردوغان لم يفاجئ أحداً بموقفه الجديد من القيادة السورية، لأن تركيبته الشخصية تسمح له بالذهاب من النقيض إلى النقيض إن اقتضت مصلحته ذلك، ومعروفة وكثيرة المواقف التي تعرض من خلالها للإهانة في سبيل مصلحته الشخصية، وكلنا نذكر الإهانات المُتكررة بزياراته لموسكو، أو بزيارته الأخيرة للسعودية أو غيرها من إهانات. هذه العوامل وغيرها، جعلت مُختلف أطراف محور المقاومة تفرض وجودها في أكثر من مكان، فإيران تسير بقوة لأن تنهي ملفها النووي حسب شروطها، وحتى لو فشلت المفاوضات بهذا الملف تبقى إيران هي الرابح الأكبر، وتبقى “إسرائيل” هي الخاسر الأكبر بالحالتين، والمقاومة في لبنان أوقفت العربدة الإسرائيلية في المياه الإقليمية واللبنانية، ومنعت “إسرائيل” من استخراج الغاز، وفي فلسطين استطاعت حركة الجهاد الإسلامي مُنفردة أن توقف بالقوة الإعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، وفي اليمن فرض الجيش اليمني واللجان الشعبية تثبيت الهدنة، وذلك بعد ضرباتهم الموجعة للمملكة السعودية إلى وصلت لمرحلة استجداء هذه الهدنة، أمّا في سوريا فكان الحدث مُلفتاً، حين تجاوزت سوريا مُمثلة بمقاومتها الشعبية، نماذج الردود السابقة، لتردّ بشكل موجع على رأس الأفعى، في مناطق تحتلها القوات الأميركية في منطقة التنف، وذلك بمساندة روسية، وفي شرق نهر الفرت أيضاً، واللافت في هجمات المقاومة الشعبية الأخيرة أمران، أولهما، أنها تكثّفت في الآونة الأخيرة، حيث بلغت ثماني عمليات خلال أقل من شهر، وثانيهما، هو أن الهجوم الأخير على القاعدة الأميركية في حقل العمر لم يقتصر على قذائف الهاون، كما في المرات السابقة، بل كان للصواريخ وللطيران المسير دور فاعل في هذا الهجوم، أما الشيء الأهم الذي أرعب الأميركيين فهو تزامن الهجوم الصاروخي مع هجوم بري شنته المقاومة الشعبية، التي وصلت طلائعها إلى أطراف القاعدة الأميركية، مُتسببة في جرح ثلاثة جنود أميركيين، وذلك بحسب التصريحات الأميركية، كل هذا يأتي في ردٍّ صريحٍ على الإعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على منطقة مصياف، ويبدو أن القيادة السورية التي تمتلك خبرة كبيرة في دعم المقاومات، قد وضعت قرارها بطرد القوات الأميركية من سوريا موضع التنفيذ، الشيء الذي سيُشكل رداً قاسياً على الإحتلال الأميركي، لما يسببه من ضائقة إقتصادية لسوريا، وبنفس الوقت يكون رداً على الإعتداءات الإسرائيلية، بانتظار أن تتوفر ظروف الرد المباشر على الغطرسة الإسرائيلية، وإن غداً لناظره قريب.

* كاتب وباحث سياسي سوري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...