حال الكتاب في تعليمنا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د. الحبيب ناصري

 

 

 

قضيت بالتعليم والتكوين والتدريس والبحث ، وإلى حد الآن، خمس وثلاثين سنة، وهي فترة تسمح لي، نسبيا أن أناقش وضع تعليمنا وتكويننا ومسارات بحثنا، الخ. ربما الأوضاع قد تتشابه في العديد من الدول التي لها نفس الرؤية (وليس الرؤيا)لقضايا تعليمها وتربيتها وتكوينها وبحثها، لأن الأمر في البداية والنهاية، يتعلق بموقع كل هذا في اهتمامات وسياسات هذه البلدان التي تتشابه في وضعها التعليمي والتربوي، وهو ما تكشف عنه العديد من التقارير الإقليمية والدولية والمؤسساتية الحكومية وغير الحكومية. لا أحد يجادل اليوم، في كون رابح مسارات التنمية والتغيير وتحسين مستوى العيش والحياة وتحقيق جزء مهم من السعادة وجعل الانسان يقبل على الابتكار والإبداع، الخ، هو من يستثمر في التعليم وكل ما يرتبط به. هذه قاعدة كانت ولا تزال وستبقى قوية في كل المجتمعات البشرية، إلى أن يطوى مصير هذا العالم والكون ككل. قد يتساءل القارئ الكريم ما علاقة كل هذا الكلام الذي هو معروف ويقال كل نهار وليل، بعنوان هذا المقال المكثف؟.

قبل الكشف عن هذه العلاقة التي هي لب هذه الكلمات المختصرة، أقدم لك عزيزي(ة) القارئ(ة)خلاصة تجربة ربما سبق أن قدمتها في سياقات أخرى مخالفة، وتتعلق بكوني كنت ضمن لجنة من اللجن الخاصة بانتقاء طلبة جيدين لمهمة من المهام، ووفق معايير دقيقة وواضحة، تصب في اتجاه اختيار الأجود طبعًا . ضمن هذه المعايير، كلفت بمحور يتعلق بثقافة الممتحن العامة ( ماذا يقرأ ؟طبيعة البحث الذي أنجز؟ علاقته بمحيطه الذي يعيش فيه؟ أسئلة عن السينما وعلاقته بها وببعض الفنون الأخرى كالمسرح، الخ). للأمانة العلمية وضمن العدد الذي اختبرت وجدت واحدة وقد قرأت كتاب ( عذاب القبر)، وأخرى قرأت مجموعة من (كتب الطبخ)، الباقي، كانت له صلة فقط بمقررات الكلية (المحاضرات والمطبوعات، الخ).بهذه الخلاصة أكون قد أجبت عن سؤال ما علاقة عنوان مقالي المكثف هذا، بكل ما سبق . مرة أخرى نؤكد أن اصلاحا جذريا وجوهريا لمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث، يشكل مدخلا حقيقيا لتنمية حقيقية وعادلة ومنصفة ومحفزة للابتكار والإبداع والعلم والبحث عن السعادة للجميع. من التعاريف التي أقدمها للطلبة وتتعلق بالتعليم ، تتحدد في كون التعليم عليه أن يعلمنا العديد من الوظائف والمهام، ومنها، وظيفة فن العيش. أتعلم لكي أستمتع بالحياة أيضا. أتعلم لأعرف كيف أعيش. بطريقة أخرى، علي أن أتعلم لأتلذذ الحياة.

تعليمنا في محيطنا العربي، على وجه الخصوص، لازال كميا وغير محفز على الإبداع . نسبة المقروئية جد ضعيفة في منظوماتنا التعليمية . يكفي أن يسأل كل طالب حصل على شهادة الإجازة نفسه، وطيلة تعليمه وتكوينه، لمعرفة كم من كتاب قرأ في رحلته هاته ؟. طبعًا الذنب ليس ذنب المتعلم / الطالب. الذنب ذنب منظومة تعليمية لازالت تبحث عن ذاتها ويسكنها هاجس الكم ، دون هاجس الاستمتاع بالتعلم، في أفق خلق مواطن عاشق للجمال والفكر، الخ، رافض لكل أشكال القبح والتطرف والعنف مقبل على الابتكار المسعد للناس. جهود الإصلاح، لا أحد يتنكرها، لكن لنتساءل هل كل من يشارك في إصلاح التعليم مدرك لقيمة القراءة وفلسفة التعلم ومدرك للجسد في علاقته بالتعلم ومحيطه ونظرياته التربوية وخلفياتها العلمية والفلسفية، الخ؟. كل هذا العمر الذي أقضيه كمتعلم في مؤسسات عدة، دون أن تغرس في حب القراءة والتلذذ بها ولها وفيها ، فهي مؤسسات تنتمي لمنظومة عليها أن تخلخل نفسها. لماذا بمجرد ما نتخرج ونشتغل نتخلص من دفاترنا ومقرراتنا الدراسية ؟، بل نشاهد المتعلمين يقومون برمي دفاترهم بعد نهاية كل سنة دراسية(ثقافة الانتقام من المدرسة).كم من كتاب نطبع اليوم؟. كم من كاتب لدينا اليوم ؟ كم وكم ؟. في أحسن الحالات لايطبع الكاتب إلا الف نسخة . معظمها لايباع. مهما كانت موضوعاتها، وفي مجتمع من أربعين مليون نسمة تقريبا ( حالة وطني)، كان من اللازم أن تتحول هذه الكتب المطبوعة إلى عشرات الآلاف، طبعًا لو غرس في التعلم فعل القراءة كسلوك يومي. القراءة وما يرتبط بها، جزء لا يتجزء من بناء التعلمات.

خلخلة كمية ونوعية، تنتظرها مدرستنا، في أفق جعلها جذابة ومؤثرة وفاعلة في المتعلم وفي بناء ذوقه وقيمه ونظرته للحياة ولذاته وللآخر وللعالم ككل. فكيف يمكن تحقيق هذا بمعزل عن غرس فعل القراءة في المتعلم وهو بين يدي معلمه؟. لازلنا لم نتعلم بعد، “شم” رائحة الكتاب/الكاتب. لن أنس ما كتبه الشاعر والناقد المغربي محمد بنيس، حول علاقة العديد من الورثة بمكتبات آبائهم وأجدادهم. الكل يطالب بحقه من الإرث ما عدا الكتب، وهو ما يجعل الأم، تخرج كتب الراحل في أكياس، وليلا، لرميها في حاويات الأزبال. خلاصة الكلام، جهود عديدة تنتظرنا لتحقيق نوع من المصالحة مع الكتاب.

يكفي أن نلتفت اليوم، ونحن في المقهى أو داخل القطار أو في حافلة عمومية، الخ، فمن يحمل كتابا ويقرأ ؟. لقد دمرنا الهاتف المحمول، الذي هو اليوم بمثابة عضو بيولوجي جديد في الجسم، وهو ما كتبه ذات يوم الصديق د سعيد يقطين. هاتف محمول جعلنا، ربما، نقطع ذلك الخيط الرقيق الذي بقي بيننا وبين الكتاب. فما العمل ؟. العمل يبدأ من داخل حجرة الدرس، ويكمله إعلام عمومي وطني له نفس طويل، غير باحث عن “ثقافة البوز” ، وجمعيات المجتمع المدني ذات الصلة بالكتاب، واستراتيجية حقيقية وطنية من لدن من لهم صلة بقرار الكتاب. أما العائلة، فقد وضعت “السلاح” تحت ضغط البحث عن لقمة العيش، وتحولات سوسيولوجية تعيشها الأسرة المغربية، حيث لا الأب ولا الأم، من الممكن المساهمة في ترسيخ ثقافة الكتاب، وهما صلة لهما أصلًا مع الكتاب، بل وبدورهما يقضيان وقت فراغهما ملتصقين بهاتفهما المحمول.

*كاتب من المغرب

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...