*زيد عيسى العتوم
كم مرة تطاولت القناعات في بنيانها, وكم مرة أُصدرت الأحكام دون سبر ما تحتها من الألغام, فتشرئب الآذان وتمتدّ الأعناق وترتفع الأنظار صوب الحكاية, معتذرون جميعاً عن عناء استشراف الحقيقة الأليمة, ولو لدقيقة واحدة يتيمة, كيف نرتب فيها فسيفساء التاريخ بينما المنتصرون والخاسرون نظنهم جميعاً في قبورٍأغلبها بلا عنوان, وكيف نسبح في الدهور والسطور ونتوهم استنشاق البخور والعطور, ونحن حينها نحلّق أو نغرق في سرد الكتّاب وخيال المؤلفين, وكيف نفصل الحروف عن الغايات ونباعد بين المرويات والمراد, وكيف نقدّس الماضي ونحن نرى صورة الحاضر مثقلة بالتزييف, وصوته يتراقص بين مفوهي الفكر والادب والدين والسياسة, حتى أصبحنا كثيراً لا نصدق ما نراه, ولا نثق بما نسمعه, ثم تُضاف أحمالنا على هيئة أوراق تحملها الرفوف الى الغد المسكين.
ربما نحتاج أن نستأذن الطفولة دون أن نصعقها, ونهزّ أكتاف البراءة بدل أن نهزّ سريرها الصغير, فما المشكلة إن أصغينا لغير ما ألفنا, وسلكنا طريقاً لم تُنقش على استطالته أقدام الحفاة وأحذية المقتدرين, وما المشكلة إن غلّبنا المنطق والحكمة على اللقم التي ما زلنا نمضغها بعد أن أشبعها السابقون مضغاً, وماذا سنخسر إن قمنا تباعاً بغربلة المعايير والمحاذير, فأصبح العقل حاكماً والنقل محكوماً.
لنعطي حفيد الذئب حريّة البوح والتعبير, فمن حق الفتى أن يُميط اللثام عن رقعة جدّه الراحل, ولنتركه يُكيل التهم والشتائم لليلى وجدتها في حدود ما نراه من اللياقة واللباقة, فقد نعرف أنفسنا إن عرفنا أننا واهمون, ونرى كل ما حولنا إن قبلنا تعدد الرؤى وتنوّع الزوايا, فجدّ الذئب ربما كان نباتياً وذلك شأنه واختياره, وليلى ربما كانت تقطّع الحشائش والزهور لغاية في نفسها, والذئب ربما قصد بيت جدة ليلى لبيان شكواه وإظهار بلواه, وما أجمل تغليب لغة الحوار في تلك المسائل والمعضلات, والجدّة الغاضبة ربما حاولت لجم الذئب وطرده بعد سماعه, فذلك بيتها وتلك رغبتها, وهي بالتأكيد لن تقبل لليلى التركيع والتقريع, والذئب المغلوب على أمره ربما دفع الجدّة بعيداً عنه فارتطم رأسها بحافة سريرها وماتت, وهو بذلك لم يتعمد القتل ولم يضمر الإصرار والترصّد, أما تنكّر الذئب بزيّ الجدة حتى يوهم ليلى بأنه جدتها, فمسلك أخلاقيّ وخصلة نبيلة, وهو يبتغي استدامة المحبّة وديمومة الحنان, لا يُشعِر تلك الصغيرة بفقدان من أحبت, وأما صراخ ليلى وخروجها باكية للناس, ففعل متوّقع وطبيعيّ لم تبتعد فيه عن الصواب والتأثر, ومن حقّها إلقاء التهم واستباق النتائج لما حسبته جريمة نكراء, حتى تظهر البيّنات ويقول القضاء كلمته الفاصلة.
أكاد أرى حفيد الذئب يقف الآن وهو يتمتم قرب قبر جدّه, عيناه تمتلئان بالدموع الساخنة, ويداه تلامس بعض النباتات القريبة التي كان جدّه يتمنى تناولها عن بكرة أبيها, وقلبه ينبض بالأمل والرجاء لتبديل واقعٍ يراه مغلوطاً, ونحن نضمّ مطلبنا الى مطلبك وصوتنا الى صوتك, بضرورة أن تأخذ العدالة مجراها ولو طال الزمان, الرحمة للذئب إن كان بريئاً, والإعتذار لليلى إن كانت بريئة!.
*كاتب من الاردن





