الدكتور محمد الفقيه
من أعظم التشريعات التي شرعها الله في كتابه العزيز الوصية ، ومن أكثر التشريعات شيوعا وانتشارا وتطبيقا في العالم شرقا وغربا الوصية باستثناء المسلمين ، بالرغم أن كتاب الله تعالى تحدث عن الوصية وفصل فيها في عشر آيات قرآنية ، وقد أولاها ذكرا وبيانا أكثر من آيات الإرث حيث وردت آيات الإرث في ثلاث آيات فقط، ومن الآيات الواضحات البينات التي تحث على الوصية قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) سورة البقرة
ومما يجدر ملاحظته في الآية الكريمة ابتداءها بكلمة (كُتِبَ عَلَيْكُمْ ) وهو نفس الفعل الذي خاطب به الحق عز وجل عبادة بوجوب فرضية الصيام ، فقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة .
حيث جاءت هذه الآية التي تؤكد فرضية الصيام بعد آية الوصية مباشرة للدلالة على أهمية هذين التكليفين الشرعيين العظيمين ، ولكن للأسف تم تقييد آية الوصية ونسخها وابطال مفعولها بحجة أن الحديث الذي صححه الألباني والوارد في كتب السنن قد نسخ آية الوصية ، ونص الحديث : لا وصية لوارث .
للأسف آية الوصية هي ضحية من ضحايا القائلين أن حديث الآحاد والذي هو ظني في ثبوته ينسخ الآيات من كتاب الله التي هي قطعية في ثبوتها ، فآية الوصية شرعها الله لمعالجة الكثير من الحالات الخاصة والاستثنائية والتي لا يمكن معالجتها بآيات المواريث ، فآيات المواريث تحقق المساواة بين الأبناء الذكور وكذلك بين البنات ، وكذلك الأخوة وما الى ذلك ، لأن آيات المواريث تقسم التركة وفق أنصبة محددة دون مراعاة للأوضاع الإنسانية والاجتماعية لأقرباء المتوفى ، ولكن آية الوصية تراعي الحالات الاجتماعية والإنسانية للمتوفى وبالتالي فآية الوصية وآيات المواريث يكمل كل منهما الآخر ، ومن الأمثلة الدالة على أن آيات المواريث لا يمكن أن تعالج الحالات الإنسانية والاجتماعية الخاصة ما يلي:
– الابن المعاق الذي يحتاج الى رعاية خاصة نصيبه في الإرث مثل الابن السوي الذي يتمتع بكامل صحته. فأين العدالة ؟؟
– الابن الذي أنفق عليه والده مبالغ كبيره من أجل تدريسه وحصوله على أعلى الشهادات العلمية يتساوى في الإرث مع الابن الرضيع الذي مات أبوه ولم ينفق عليه دينارا واحدا في التعليم . فأين العدالة ؟؟
– البنت التي تعثر حظها في الزواج وليس لها وظيفة أو عمل تتساوى في الإرث مع أخواتها اللواتي تزوجن وتوفر لهن حظ وافر من الأمان الاجتماعي .
– الوالدان بعد أن كبر سنهما وكثرت أمراضهما فهما أحوج من غيرهما الى الدعم والمساعدة ، ونصيبهما في الميراث غالبا لا يتجاوز لكل منهما السدس .
هذه الحالات وغيرها الكثير من الحالات الإنسانية لا يمكن معالجتها من خلال نظام الإرث لذلك شرع الله العليم الحكيم تشريعا خاصا بالوصية لمعالجة هذه الحالات ، والتي لا يمكن أن تتحقق العدالة إلا من خلال تطبيق آيات الوصية التي كتبها الله على عبادة ، ولقد توصلت المجتمعات المتقدمة في العالم شرقا وغربا الى أهمية الوصية وتفعيلها في حياتهم ، ولكننا للأسف الغينا آيات الوصية عمليا ، وحرمنا الورثة الذين هم بأمس الحاجة إليها .
أليس نحن الآن بأمس الحاجة الى قراءة كتاب الله من جديد بعيدا عن نظرية الناسخ والمنسوخ ؟.





