* غسان الاستانبولي
كلّ السياسيين اللبنانيين، بل كلّ المهتمين بالشأن اللبناني، يعرفون أن الفراغات التي تحدث في لبنان، انطلاقاً من الفراغ بموقع موظفٍ مرموق، وصولاً إلى الفراغ الرئاسي، لا تأثير لها على لبنان كدولة، بل ينحصر تأثيرها على الشعب الذي يكون هو أول من يدفع ثمن تلك الهرطقات، وما هذه الفراغات إلا إحدى طرق الإستثمار الحزبي، والطائفي، والسياسي، التي تَصبّ حُكماً في المصلحة الشخصية لهذا الزعيم أو ذاك، ولكلّ زعيمٍ مُشرّعيه السياسيين، والبرلمانيين، والقانونيين، الجاهزين دائماً حسب الطلب، ويبقى حزب الله بكلّ مفاصله هو أول، وأهمّ من نأى بنفسه عن مثل هذه الممارسات، برادعٍ أخلاقي، وانشغالٍ بقضيةٍ كبرى تتعدى لبنان، بل تتعدى حدود المنطقة بالكامل.
وبالعودة للفراغات التي يصنعها السياسيون اللبنانيون، ويُلبسون لغيرهم الثوب الذي صنعوه، حيث يتصدر الأحداث اللبنانية رغم كثرتها وأهميتها فراغٌ رئاسيٌ مُتوقع، ليخطف الضوء من أحداثٍ أهمّ وأشمل، مثل ترسيم الحدود البحرية مع فلسطين المحتلة، ومحاولة “إسرائيل” سرقة الغاز اللبناني، ومثل ما يعانيه اللبنانيون من ضائقةٍ مُتعددة الأبعاد، وغير ذلك من أحداث.
من المعروف أنّه، ومنذ أيامٍ قليلةٍ، دخل لبنان في المُهلة الدستورية لانتخاب خلفٍ لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي تنتهي ولايته بتاريخ 31 أكتوبر/تشرين أول القادم، حيث يبدو أنّ مُعظم الزعماء اللبنانيين، خطّطوا للفراغ، وأجادوا صنع ساحات المواجهة، سواء ساحة الفراغ، أو ما قبلها، أو ما بعدها، واستعدوا ليحصد كلٌّ منهم حصيلة زرعه، بالاتفاق هنا، وبالقسر هناك، وقد صوّروا هذا الفراغ، إن حصل، وكأنّه حدثٌ مُدمّر، وكأنّ لبنان لم يعتد مثل هذه الأحداث، أو أنّ اللبنانيين قد تمرّ عليهم مثل هذه المسرحيات.
من الواضح أنّ المعركة المُستعرة منذ ما قبل الانتخابات البرلمانية الماضية، كانت مُتعددة الأطراف، والكلّ عينه على كرسي الرئاسة، أصالةً، أو وكالةً، ولكن مع ما أفرزته الإنتخابات النيابية الأخيرة تراجع دور الكثيرين، ولم يبقَ في الميدان سوى طرفان، أولهما رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، مُرتكزاً في معركته على الوزن الكبير الذي صنعه الرئيس ميشال عون، قبل أن يصل إلى كرسي الرئاسة، وذلك بتشكيل تيارٍ سياسي كبيرٍ، ولكن باسيل لم يستطع الحفاظ على ما بناه عون، بأنانيةٍ هنا، وسوء تقديرٍ هناك، ومراهقةٍ سياسيةٍ هنالك، وحصد نتيجة ذلك بتراجع أحلامه من منصب الرئيس، إلى منصب رئيس كتلة وزارية وازنة ومُعطلة في الحكومة الحالية، التي كان يَجهد لتعديلها بما يضمن مصالحه بعد انتخاب رئيسٍ جديد، الآن أو بعد الفراغ، والطرف الثاني هو فريقٌ مُتضامنٌ تاريخياً، يتألف من الثلاثي رئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة الحالية، ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي، ومن المعروف أنّ الثلاثة تجمعهم مصالح، وملفات فساد مارسوه هنا، وغطوه هناك، ويبقى هدفهم الأول هو تحجيم التيار الوطني الحرّ، والثلاثة يُشكّلون تكاملاً لا يُستهان به، فنبيه بري لن يسمح بمرور أيّ تشريعٍ لا يلبي مصالحه، ونجيب ميقاتي سيمتلك صلاحيات رئيس الجمهورية حين الفراغ، ضارباً بعرض الحائط الدستور الذي يقول، بأنّ الحكومة مُجتمعةٌ هي من تمتلك تلك الصلاحيات، ووليد جنبلاط عاد ليلعب دور بيضة القبّان، فالجميع بحاجةٍ لكتلته النيابية في كلّ مفصل، وخاصة في انتخاب الرئيس، وبطبيعة الحال، فالثلاثة يُعطون لمواقفهم قوةً إضافية من خلال تنسيقهم مع أطرافٍ كثيرةٍ رهنت قراراتها للخارج، مثل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وغيره.
بكلّ الأحوال، لو تحقق الفراغ سيكون حدثاً اعتاده اللبنانيون، لأن مثله مرّ على لبنان عدّة مرات، ولو استحضرنا بعض مراحل الحياة السياسية في هذا البلد، لوجدنا عشرات الأمثلة التي تعودها اللبنانيون، والتي تُبرهن على عبث السياسيين اللبنانيين بدستورهم، وبرلمانهم، وتطلعات شعبهم، فنراهم يُشكّلون حكوماتٍ لا تستمر سوى أيامٍ معدودةٍ، ريثما تمرّ مخططاتهم، فمثلاً، حكومة صائب سلام عام 1952 استمرت 4 أيام، وحكومة فؤاد شهاب بنفس العام استمرت 12 يوما،ً وحكومة عبدالله اليافي بنفس العام استمرت 7 أيام، وحكومة نور الدين الرفاعي عام 1975 استمرت 3 أيام، ومُعظم هذه الحكومات كانت لانتخاب رئيسٍ بعد الفراغ، أمّا الحدث الأكثر غرابة، فهو وجود حكومتين بنفس الوقت، وذلك عام 1988، واحدة مدنية يرأسها الرئيس سليم الحص، والأخرى عسكرية يرأسها العماد ميشال عون، وما يُبرر هذه الحادثة هو أن لبنان كان يمرّ وقتها بحربٍ أهلية، كان فيها كلّ جزءٍ من لبنان وكأنّه دولةٌ مستقلة، ومن الطبيعي أن تحصل مثل هذه الأمور في الحروب الداخلية.
للأسف، فمحطات تعطيل سير الدولة اللبنانية كثيرة، وللأسف هذا ما يريده ويعمل عليه بعض الزعماء اللبنانيين، فهم يريدون رئيساً لا يرأس إلا حسب توجيهاتهم، وبرلماناً لا يُشرّع إلا لمصلحتهم، وحكومةً فقط لتصريف الأعمال، وما أكثرها أعمالهم.
* كاتب وباحث سياسي سوري





