ديار إبراهيم السَنكَسَري
كتب أحد الكُتّاب في مطلع كتابه:
((الإهداء:
إلى مدرس اللغة العربية، الذي قذف دفتر التعبير في وجهي وقال: “ستموت قبل أن تكتب جملة مفيدة!”)).
وكتب آخر قبل شروعه في الموضوع:
((إهداء:
إلى أستاذ اللغة اللغة العربية “……..” الذي خط بأصابعه ذات حصة في دفتري:
“مقدمة أدبية جميلة تنبئ عن مستقبل أدبي واعد”
شكرا لك، فأنا من يومها لم أفرط في هذا القلم..))
عبارتان صادرتان من شخصين منتميين لصنف واحد من الناس، وتلقاهما فردان منتميان إلى فئة واحدة، ولكن الأولى جعلت ثائرة الأول تثور في نفسه ضد هذا المدرس حقدا، وأشعلت في قرارة نفسه فتيلة غيظ محفزة للنجاح كي يثبت لمعلمه المتعنت عكس ما يقول ويرى، وقد فعل! والأخرى جعلت الآخَر يثق بما زرعه الله في يراعه من رسم الجمال في صورة خطوط ونقاط، فظلت تحضُّه على إكمال ما أكده مدرسه له، حتى عمل ذلك.
لماذا كانت العبارتان ذاتي تأثير مباين ومعاكس، في حين أن الملقي والملتقي في الحالتين شبيهان؟ هذا لأن الروح التي دُبَّت فيهما، والعواطف التي رُصِّعتا به، والتعابير التي ساهمت في توصيل الفكرة تباعدت ببون شاسع.
لقد نسي المدرس الأول أن تعليمه دون التربية أبتر، فحين يئس من تعليم تلميذه، أذن لمشاعر سخطه أن تنزل عليه وتوقد في نفس تلميذه ما هو منكره. وأما الثاني فعلم ما جهله الأول جيدا، لذا؛ حين أبصر حسن ما تخطه أنامل تلميذه، تذكر دوره التربوي، فروى فسيلة الأدب في مخيلته، فكان ما كان.
ولقد وصل التلميذان لذات النتيجة: كلٌ قد ألف كتابه وأهداه لمن يستحق، فالأول أهداه لمن جرح في نفسه ما لا يلتئم، وخدش على قلبه ما لا برء له، وقدمه بكلمات ظاهره فيه اللطف وباطنه من قبله التهكم والغيظ. ولكن الثاني قد أفرغ مشاعر حبه ووده لمن أراد يوما أن يشاهده يقف هذا الموقف، بتعبيرات ليس فيها زيف ولا غيره، بل مكتظة بحب حميم لمن ألهمه يومها ما كاد أن ينساه أو يتناساه، لأنه يوم وصل هذا المَوصل قد علم أن هذا المربي الودود يستحق كل الشكر والثناء إثر هذه البضاعة من الحروف والكلمات التي قدمها له في ذلك الوقت المهم، التي بها حينئذ قد ضرب على وتر حساس له.
إن الذي يجهله كثير من المعلمين -أو ينساه بعضهم وقت لا يتمالكون أعصابهم- أن الكلمات العرضية في الدرس والداخلة عليها قد تبقي في نفس الطالب ما لا تبقيه دروس سنة كاملة من العلوم والآداب، وقد تشعل في نفسه نارا لا تخمد بسيل من الأشهر والسنين، لأن الإنسان مجبول على عدم نسيان بعض الكلمات، وخاصة الجارحة منها، وقد صدق الشاعر حين قال:
((وَقَد يُرجى لِجُرحِ السَّيفِ بُرءٌ
وَلا بُرءٌ لِما جَرَحَ اللِّسانُ))
لأن الإنسان في النهاية جوهره الروح والنفس، وليست قطعاً مادية تركب بعضها مع بعض كالآلات، وهذا الجوهر المعنوي إنما يجرح بمعنويٍّ آخر، وإن الكلمات أصوات لا تُبصَرُ ولا تُلمَس، دون لون أو ريح أو طعم، ولكنها تترك في أعماق القلب ما لا يندمل بآلاف من الكلمات الأخرى.
وللأسف قد نفر من هذا الدين السمح الرحيم جَمٌّ غفير من الأنام بسبب عبْس وتجهم بعض المتدينين مقابل أخطاء الناس وزلاتهم، ودعك ممن قد لعن الدين بمن فيه لما لاقاه من سباب وشتائم وكلام عنيف إثر خطإ من أخطائه، وكأن هؤلاء قد وُكِّلوا من قبل الله بتجسيد صفة “الجبار” و”المنتقم” أمام هؤلاء الدهماء!
ولم يكن دأب نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) كذلك، وإنما كانت الرحمة والرأفة تفيض من قلبه وتتجلى من جوارحه على المذنبين. فلقد سمع النبي (صلى الله عليه وسلم) صحابيا يقول لآخر كَثُر جَلده بسبب شربه للخمر: ((اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به!))، فلم يقبل الحبيب هذا، وردَّ: ((لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله))، فلم يخلط بين خطئه شخصيته، لأنه يعلم أنه إنسان معرض للخطإ، وقد يكون مع ذلك ذا قلب طاهر ملؤه إيمان، ويبدو ذلك جليا حين نرى في رواية للحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد جلس بعد ذلك يسامره، لماذا كل ذاك؟ كي لا يدمر في نفس ذلك المسكين ما بقي من رمق الإيمان.
وعندما أقبل عليه شاب يسأله أن يأذن له في الزنا، لم ينهره ولم يغضب منه ولم يطرده من مجلسه، بل ولم يرض من الصحابة أن يظهروا سخطهم عليه، وإنما أجلسه وأقنعه بخطأ ما هو مقدم على فعله، ودعا له دعوة أصبح بعدها لا يلتفت لشيء، وذلك في الأصل ما يجب أن ينويه المصلح، أن تكون النتيجة حسنة، وليس أن يكون بمقدوره نهر وزجر المخطئ.
إنها الرحمة التي يجب أن نقتدي بها ونتطبقها في تعاملنا مع المذنبين، وإن المولى عز وجل يحثنا على المغفرة للذين لا يؤمنون بعقاب الله وبأسه أصلا، وذلك في آية أهملنا موضوعها: ((قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ))، فكيف إذا كان المخطئ مؤمنا قد نال الشيطان منه، ولم يمنحه الله ما منحه إيانا، والتي هي الهداية للصواب والكف عن المنكرات؟!
فما بالك إذا بصغير قد أتى للتعلم والتتلمذ على يد مدرس، وقد أجلسه والداه حذاء المعلم آملين أن يصف في عقله لبِن العلم والمعرفة، وأن يجد في نفس ذلك الطفل نقطة قوته ويسقيها بماء الكلام العذب.
والحال هكذا مع الآباء والمربين، فمنهم من لم يفكر قط في تربية روح صغيره وترويضها، فعاند الأبوين وشاحنهما حتى كبر، ومنهم من أوتي الحكمة في ذلك، فهنيئا له الذرية البارة به.
قد يصاب الإنسان بلحظة يأس حين لا يرى ثمرة مجهوده الكثير، أو يبصر ضعف قدرة أحد، أو قلة إدراك شخص، ولكن الرشيد من يتمالك نفسه، والحكيم من يحاول إيجاد القوة في المرء ويجهد أن يبرزها.





