*الدكتور محمد الفقيه
هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها ، ولكن البعض يصر على تناول الحديث الصحيح وكأنه آية قرآنية ، لا بل أكثر من ذلك فغالبا في خطابنا الديني ما يتم تقديم الاحاديث والروايات على القرآن الكريم ، ويتم توجيه الآيات القرآنية وفق سياق حديث الآحاد ، وهذا من أهم الإشكاليات التي تواجه الخطاب الديني المعاصر ، فبدلا من الإنطلاق من القرآن الكريم الذي هو الخطاب الديني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي هو قطعي في ثبوته ، يتم البحث في الروايات والآحاديث لتشكيل عقائد وأفكار واتجاهات ، ومن ثم البحث في القرآن لتوظيف بعض النصوص ولي أعناقها بما يتفق مع تلك الآحاديث الظنية في ثبوتها ، علما بأن الفقهاء الأربعة الذين يمثلون مرحلة الإزهار الفقهي والانفتاح الفكري ، كانت منهجيتهم في التعامل مع الروايات التي ثبت صحتها سندا تختلف عن منهجنا تماما ، فعلى سبيل المثال أبو حنيفة النعمان رضي الله عن والذي يعتبر أول فقيه إسلامي وأقرب الفقهاء الى عصر النبي صلى الله عليه وسلم حيث ولد في سنة 80 للهجرة اشترط شروطا لقبول حديث الآحاد الصحيح سندا، والتي منها أن لا يخالف الحديث أصلا من أصول القياس عنده ، وكذلك أن لا يكون الحديث مما يكثر وقوعه في بين الناس ، فإذا كان الحديث مما يكثر وقوعه فكان يقدم القياس على حديث الآحاد مهما بلغت درجت صحته ، وكذلك باقي الفقهاء الكبار لهم منهجية واضحة في التعامل مع آحاديث الآحاد .
والمتتبع لأقوال علماء الأصول يرى بوضوح أن معظمهم ذهب الى أن حديث الآحاد ظني في ثبوته وهو لا يفيد العلم القطعي ، وهذه هي شهادة جمهور علماء الحديث لدي اهل السنة والجماعة بظنية حديث الاحاد وعدم القطع به ووجوب العمل به في بعض المسائل وسأعرضها على النحو التالي :
ـ المحدث الخطيب (توفي في بغداد 463 هـ)1-
” خبر الواحد لا يُقبل فى شيء من أبواب الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها والقطع عليها… “، إلى أن قال: ” وإنما يُقبل به فيما لا يُقطع به، مما يجوز ورود التعبد به كالأحكام التى تقدم ذكرها (مثل الكفارات، والهلال، وتفاصيل الحدود..) “، وانظر: الكفاية للخطيب .
ـ المحدث بدر الدين العينى (توفي855 هـ):4
الذى قال: ” قوله: فى الأذان… الخ، إنما ذكر هذه الأشياء ليُعلم أن إنفاذ الخبر إنما هو فى العمليات لا فى الاعتقاديات “، وانظر : عمدة القارى للعينى: (25 / 11 ـ ك أخبار الآحاد)
النخبة: (1 / 176 ـ 179). ـ الأصولى محمد الأمين الجكنى الشنقيطى:8
ولا يفيد العلم بالإطلاق عند الجماهير من الحذاق
ويقول الشنقيطى: ” ولا يفيد خبر الواحد العلم ولو عدلاً بالإطلاق، احتفت به قرينة أم لا عند الجماهير من الحذاق، وبعضهم قال يفيده “، وانظر : مراقى السعود ـ شرح محمد الأمين: (272 ـ كتاب السنة).
ـ الأصولى الشاطبى (توفي 780 هـ):9
” فإنها إن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر “، وانظر : الموافقات للشاطبى: (1 / 24: المقدمة الثانية، 3/11، 106).
ويقول أيضًا: ” أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبر المتواتر لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون
ـ الأصولى الفخر الرازى (توفي 606 هـ):11
يقول الإمام الرازى: ” إن خبر الواحد إما أن يكون مشتملاً على مسائل الأصول وهذا باطل، لأن تلك المطالب يجب أن تكون يقينية وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن “، وانظر : المعالم فى أصول الفقه للرازى: (47 ـ الباب الثامن فى الأخبار: المسألة الرابعة) وكذلك المحصول له
ـ الأصولى الباقلانى (توفي 403 هـ):12
يقول القاضى الباقلانى: ” اتفق الفقهاء والمتكلمون على تسمية كل خبر قصر عن إيجاب العلم بأنه خبر واحد، وسواء رواه الواحد، أو الجماعة، وهذا الخبر لا يوجب العلم “، وانظر : تمهيد الأوائل للباقلانى: (441، باب آخر فى خبر الواحد)
ـ الأصولى وهبة الزحيلى:13
يقول الزحيلى: ” وحكم سنة الآحاد أنها تفيد الظن لا اليقين ولا الطمأنينة، ويجب العمل بها لا الاعتقاد للشك فى ثبوتها، وهذا هو مذهب أكثر العلماء وجملة الفقهاء “، وانظر : أصول الفقه الإسلامى
لوهبة الزحيلى: (1/455). ـ الأصولى شرف الإسلام ابن برهان البغدادى:14
ويقول ابن برهان: ” خبر الواحد إذا اتصلت به القرينة أفاد العلم عند النظام، وهو مذهب الإمام، وذهب أكثر العلماء إلى أن ذلك ممتنع “، وانظر : الوصول لابن برهان البغدادى
(2/150 ـ المسألة السادسة، 162). ـ الحافظ المحدث الذهبى:15
يقول الذهبى: ” وفى ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكى يرتقى عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم “، وانظر : تذكرة الحفاظ للذهبى: (1 / 6 ـ ت: 2 عمر بن الخطاب)
ـ الإمام المحدث النووى (توفي 676 هـ):16
يقول النووى: ” وإذا قيل صحيح فهذا معناه، لا أنه مقطوع به “. ثم يقول بعدها: ” وذكر الشيخ (أى ابن الصلاح) أن ما روياه (البخارى ومسلم) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعى حاصل فيه، وخالفه المحققون والأكثرون فقالوا: يفيد الظن مالم يتواتر “، وانظر : التقريب للنووى: (11،18)، وإرشاد طلاب الحقائق له: (58،65)، ومقدمة صحيح مسلم. وقد قال بذلك القول ابن الصلاح فى صيانة صحيح مسلم (85 ـ الفصل الرابع) ومقدمة ابن الصلاح مع التقييد (43).
وقال فى مقدمة شرحه لصحيح مسلم بعد أن ذكر كلام ابن الصلاح: ” وهذا الذى ذكره الشيخ فى هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التى ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد. والآحاد التى فى غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن. فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان عن غيرهما من الكتب فى كون ما فيهما صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا ً، وما كان فى غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح. ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبى (ص) ، وقد اشتد إنكار ابن برهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ، وبالغ فى تغليطه “، وانظر : مقدمة شرح النووى لصحيح مسلم (1/41)
يقول الإمام رضى الدين (بعد أن ساق قول ابن حجر بإفادة أحاديث الصحيحين للعلم وغيرها): ” حتى إن خبر كل واحد فهو مفيد للظن، وإن تفاوتت طبقات الظنون قوة وضعفاً “، وانظر : قفو الأثر فى صفو علوم الأثر للإمام رضى الدين الحلبى الحنفى: (46).
ـ الأصولى ابن قدامة:20
يقول الإمام ابن قدامة : ” إن جميع ما رووه وذكروه هو أخبار آحاد، ولا يجوز قبول ذلك فيما طريقه العلم ؛ لأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط، وإنما يعمل بأخبار الآحاد فى فروع الدين، وما يصح أن يتبع العمل به غالب الظن، فأما ما عداه فإن قبوله فيه لا يصح، وذلك يبطل تعلقهم بهذه الأخبار حتى ولو كانت صحيحة السند وسليمة من الطعن فى الرواة “.
ويقول فى الروضة: ” اختلفت الرواية عن إمامنا رحمه الله (أحمد بن حنبل) فى حصول العلم بخبر الواحد، فروى أنه لا يحصل به (أى العلم) وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا، لأنا نعلم ضرورة أنا لا نصدق كل خبر نسمعه. ولو كان (أى خبر الواحد) مفيداً للعلم لما صح ورود خبرين متعارضين لاستحالة اجتماع الضدين “.. الخ، وانظر : روضة الناظر للإمام ابن قدامة المقدسى: (91)، والروضة: (1/260). ـ
ـ المحدث التاج السبكى:35
ويقول الإمام السبكى فى شرح المختصر تعليقاً على ما ذهب إليه الغزالى والأزهرى… الخ: “… وهو الحق “، وانظر : اليواقيت للمناوى (1/176 ـ 179 ـ ما تفيده أخبار الآحاد من العلم).
ـ المحدث زكريا الأنصارى السنكى الأزهرى:36
الذى يقول فى كتابه فتح الباقى على ألفية العراقى: ” قولهم هذا حديث صحيح أو ضعيف قصدوا الصحة والضعف فى الظاهر أى: فيما ظهر لهم عملاً بظاهر الإسناد، لا القطع بصحته أو ضعفه فى نفس الأمر، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، والضبط والصدق على غيره، والقطع إنما يستفاد من المتواتر أو مما احتف بالقرائن، وخالف ابن الصلاح فيما وجد فى الصحيحين أو أحدهما فاختار القطع بصحته وسيأتى بيانه فى حكم الصحيحين “. ثم قال بعدها: ” وقيل صحيح أو يفيد ظنًا وهذا القول عند محققيهم وأكثرهم هو المعتبر كما عزاه إليهم النووى محتجًّا بأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعها على أنه مقطوع بأنه من كلام النبى (ص) “، وانظر : فتح الباقى على ألفية العراقى للحافظ زكريا الأنصارى (1/15،69). ـ الأصولى ابن جزى الكلبى:
يقول ابن جزى: ” وأما نقل الآحاد فهو خبر الواحد أو الجماعة الذين لا يبلغون حد التواتر وهو لا يفيد العلم، وإنما يفيد الظن “، وانظر : تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى الكلبى: (289).
ـ الأصولى ابن الحاجب:37
يقول ابن الحاجب : ” لو حصل العلم بخبر الآحاد بغير قرينة لكان عاديًّا ولو كان كذلك لأطرد كخبر التواتر، وأيضا لو حصل العلم له لأدى إلى تناقض المعلومين عند إخبار العدلين بالمتناقضين، وأيضا لو حصل العلم به لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد، ولعورض به التواتر، ولامتنع التشكيك بما يعارضه وكل ذلك خلاف الإجماع “، وانظر : منتهى الوصول فى علم الأصول للإمام ابن الحاجب: (71).
ـ الأصولى السرخسى (توفي 483 ـ490 هـ):44
يقول السرخسي: ” لأن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين وإنما يوجب العمل تحسينا للظن بالراوي فلا تنتفي الشبهة به “.
ويقول بعدها: ” لأن خبر الواحد يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين”.
ويقول بعدها: ” قلنا لأن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين “.
ويقول بعدها: ” لأنه خبر محتمل للصدق والكذب والمحتمل لا يكون حجة ملزمة ولأن خبر الواحد لا يوجب العلم “، وانظر : أحكام القرآن للجصاص: (3 / 80، 4 / 12، 16 / 112). ـ الأصولى السيواسى (توفي 681 هـ):45
يقول السيواسى: ” لأن خبر الواحد لايوجب اليقين بل الظن “.
ويقول بعدها: ” إن شرط قبول خبر الواحد عدم طعن السلف فيه وعدم الاضطراب وعدم معارض يجب تقديمه “، وانظر : شرح فتح القدير للسيواسى : (3 / 159، 4 / 405).
ـ الأصولى الزرقانى (توفي 1122 هـ):46
يقول الزرقانى: “… وبه قال جمهور العلماء ويجري عندهم مجرى خبر الواحد في العمل به دون القطع، قاله ابن عبد البر، وقال الباجي: الصحيح ما ذهب إليه الباقلاني أنه لا يحتج به لأنه إذا لم يتواتر فليس بقرآن وحينئذ لا يصح التعلق به “، وانظر : شرح الزرقانى لمحمد الزرقانى : (2 / 251). ـ الأصولى ابن رشد (توفي 595 هـ):47
يقول ابن رشد: ” أما أهل الكوفة فردوا هذا الحديث بجملته لمخالفته للأصول المتواترة على طريقتهم في رد خبر الواحد إذا خالف الأصول المتواترة لكون خبر الواحد مظنونا والأصول يقينية مقطوع بها كما قال عمر في حديث فاطمة بنت قيس: ما كنا لندع كتاب الله وسنة نبينا لحديث امرأة “، وانظر : بداية المجتهد لابن رشد : (2 / 216).
والمتتبع لأقوال علماء الأصول يرى بوضوح أن معظمهم ذهب الى أن حديث الآحاد ظني في ثبوته وهو لا يفيد العلم القطعي ، وهذه هي شهادة جمهور علماء الحديث لدي اهل السنة والجماعة بظنية حديث الاحاد وعدم القطع به ووجوب العمل به في بعض المسائل وسأعرضها على النحو التالي :
ويقول الشنقيطى: ” ولا يفيد خبر الواحد العلم ولو عدلاً بالإطلاق، احتفت به قرينة أم لا عند الجماهير من الحذاق، وبعضهم قال يفيده “، وانظر : مراقى السعود ـ شرح محمد الأمين: (272 ـ كتاب السنة)
لوهبة الزحيلى: (1/455). ـ الأصولى شرف الإسلام ابن برهان البغدادى:14
ويقول ابن برهان: ” خبر الواحد إذا اتصلت به القرينة أفاد العلم عند النظام، وهو مذهب الإمام، وذهب أكثر العلماء إلى أن ذلك ممتنع “، وانظر : الوصول لابن برهان البغدادى
ـ المحدث أبو الوليد الباجى (توفي 474 هـ):41
يقول الباجى فى المنهاج: ” إن خبر الآحاد لا يقع به العلم، وإنما يغلب على ظن السامع له صحته لثقة المخبر به، لأن المخبر وإن كان ثقة يجوز عليه الغلط والسهو، كالشاهد. وخالفت فى ذلك طائفة من أهل العلم منهم ابن حزم فى كتابه الإحكام، وداود الظاهرى، فزعموا أن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم النظرى متى كان مقبولاً ” اهـ . هذا وقد قال أيضاً:
” وذهب جميع الفقهاء إلى أن خبر الواحد يفيد الظن “، وانظر : المنهاج فى ترتيب الحجاج: (13)، والإشارات فى الأصول: (52) كليهما لأبى الوليد الباجى
. ـ المحدث صلاح الدين بن كيكلدى العلائى:42
يقول العلائى فى جامع التحصيل: ” لا سبيل إلى القطع إلا فى الخبر المتواتر، وأما خبر الواحد فلا يفيد إلا الظن ” اهـ. ويقول: ” ما يرجع إلى قواعد العقائد فذلك غير جائز فيه خبر الواحد لأنه ظنى ” اهـ .
*مفكر اسلامي من الاردن





