لقاءٌ مع كافكا ! قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*زيد عيسى العتوم

 

 

 

ربما لا ضير إن أطلقنا زفيرنا الدافيء على حائطٍ من الزجاج الأملس والقاتم, سنجعل تلك الأبخرة الحائرة تجد ضالتها أمام عيوننا التي لم تعد ترى شيئاً, أو بالكاد تتلمس الطريق بين التلال الصغيرة والظلال المطفئة, ثم ترتفع إحدى الأيدي الحالمة لتُميط اللثام عن نفسها, ستمسح سطرها الأول بينما بعض نقاط كلماته تتوارى خوفاً, وبعض نقاط حافته السفلى تسيل هرباً متدحرجةً بجنونٍ الى الأسفل, في رحلةٍ تُسمى الواقعية العجائبية, ثم تلتفّ تلك اليد المبللة منزلقةً الى سطرها الثاني وقد شوّهته بعض أروقة النقاط الهاربة, وتجاوزت على أطرافه بعض التعرّجات المبهمة, في ذلك السطر امرأةٌ لم يُرى مثلها من قبل, ولم تتجرأ تلك اليد المهتزّة والمترددة والمعروقة وربما الملوّثة على كتابة رسالة لها, في أصعب لحظةٍ من الحقيقة وأغرب حقيقةٍ من الحب, وفي السطر الأخير قبوٌ غائرٌ أمامه بضع درجاتٍ لا يُرى آخرها ولا تبتعد كثيراً عن الفَناء, على باب القبو المشقق مطرقة بصورة وجهٍ لا تتبدى معالمه جيداً, تتوسطه ندبٌ لكائنٍ مجهولٍ أو عفريتٍ متحجّر, بالقرب منه نقوش صرعى وحروف مهترئة, ثم يُسمع صوتٌ مسكينٌ أصابه الوهن والمرض: “لا تقتربوا مني أرجوكم, أنا انطوائيّ وكئيب ومتذمّر وأنانيّ وسوداويّ, أنا كافكا!”.

اقتربت منه قليلاً دون أن التفت لندائه, ودون أن أستر رهبتي أوأجمّل خشيتي, سألته عن حاله الأليم وحزنه الدفين, نظر اليّ بمنتهى التواضع والضعف, ثم ابتسم ابتسامةً عابرةً كمن لا يملك سوى حق الوداع الأخير, قبل ضرورة المغيب وحتمية الرحيل.

كافكا: يقولون عني أنني كابوسيّ, لكنهم تناسوا أن هذا قدري وتلك هي مشيئة السماء, لقد عشت عمري منفصلاً عن ذاتي ومنعزلاً عن غيري, الآخرون يعيشون واقعهم بينما أراه أنا مجرد وهم ميت, قلت لهم أن “قصصي هي أنا” و”أنا” كما أرى أنا نفسي, رمزيتي وغموضي هي من لون وطعم بؤسي وشقائي, نحن نعيش في الحياة التي يملأها الخوف والتردد والقلق, ونموت في حلمٍ ليس له ذاكرة.
ترددت قليلاً قبل خلخلة مشاعره الدفينة, لكنّ فضولي المنفلت قد حطّ رحاله بالقرب من قلبه الصامت, لست أدري إن اقتربت بذلك من ضعفه أم قوّته, ولم أعرف إن كنت بفعلتي قد أنعشت وجدانيته أم كمّمت يقظته, سألته عن ميلينا ثم لم أجرؤ بعد السؤال على الاعتذار.

كافكا: أنا أضعف من أكون عاشقاً, وأعيش جحيماً لا يُدركه الآخرون مثلي, لكنني أحببتها رغم تيبّس قلبي, أغلقت عينيّ عنها فرأيتها في أعماقي, حاولت نسيانها بأن أنشغل بالإبحار اليها, تصنّعت الشجار معها لكنني لم أتصنّع الضحكات التي عجزتُ عن لجمها عند ملاقاتها, في كل خلاف وعتاب كان الحب ينقذنا بإغراقنا فيه أكثر وأكثر, أخبرتها مرة أن وجودها مؤكدٌ أكثر من وجودي, وجودها كوجودي وتكون هي حيث أكون.

لم أجد مفراً من التنصّت على أنفاسه الخافتة, فهذا المغامر قد كتب ما لا نجرؤ على مجرد الشعور به, واعترف بأكثر مما تنبشه الروح وتبعثره الرياح, أردت الوقوف على اضطرابه والإتكاء على جزءٍ رهيبٍ من عبثيته, سألته عن “المسخ” وأنا أشعر أنني أركض مسرعاً على طريقٍ معبّدٍ نحو إنسانيته, وعند الوصول اليها وجدت ورقةً ملقاةً كُتب عليها “هنا يسكن الاغتراب على يمين مفترق اللا جدوى”.

كافكا: لو كنت أمتلك فرشاة سحرية لرسمت ابتسامة عابرة على وجهي, ثم لأزلتها بعد اكتمالها دون تردد, ماذا أفعل إن كانت الأحلام المقيتة تحتضنني رغماً عني, فأنا كنت مثل غيري أتوهّم الإرادة وأتخيلها, استيقظت صباح يومٍ لأجد نفسي في سريري متحولاً الى حشرة عملاقة, لم أكن مذنباً حينها ولم أتمنى ذلك التحول المخيف, تخلى الجميع عني ولم يتفهموا مصيبتي, كنت أتحرك وأزحف في غرفتي التي ضقت ذرعاً من جدرانها الخانقة, عرفت وقتها أن مصيري الإنسانيّ قد تموضع في قالبٍ يقوم على المفاجأة, وأن المشاعر الدافئة لا نصدّرها الا لصورةٍ رسمناها كما نهوى, أو فلتُدفن المشاعرُ ولتتمزق الصورة, وفي لحظة ما سنغدو عكس ما نريده, بعد أن يسقط قناع الخداع وصبغة الزيف, مسكين أنا فقد متّ تحت مكنسة الخادمة في نهاية المطاف, وانتهى كل شيء.

لم أستطع إخفاء تأثري بل تكسّري مما سمعت, كان ذلك صاعقاً وضاغطاً على كينونتي, لم أستطع ملامسة مقبض المواساة معه, ولم أتخيل حالة السوداوية التي نعيشها ليس بعيداً عنه, أردت ملامسة رأسي فلم أعد أثق بيدي, وأخذت أصوات ضجيج العمر تتصاعد الى أقصاها, التفتّ بسرعة الى كافكا أتوسل اليه طلبي الأخير, وأرجوه أصدقَ وأحرَّ الرجاء, سألته إن كان باستطاعته أن يجعلني كتلك الدمية المسافرة, لن أثقل عليه بالتجوّل في حديقة برلين, ولا تكرار المجيء الى الحديقة على مدى ثلاثة عشر يوماً, ولا شراء دمية بديلة للتي ضاعت ولن تعود, طلبت منه أن يقول لي :” كل ما تحبه ستخسره في الآخر, لكن الحب سيعود في نهاية المطاف”, انتظرته فلم يُجب, اقتربت منه قليلاً فلم يتحرك, ادركت حينها أن كافكا قد فارق الحياة!.

*كاتب من الاردن

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...