ديار إبراهيم السَنكَسَري
قد يوحد البعض صنفين مختلفين من الحب والود، فيجعلون نوعا من الحب المصلحي بإزاء الحب الخالص الصحيح لأن ظاهره العفاف والإخلاص، وقد توهم الكثير في هذا إذ ظنوا أنهم بفزعهم من فراق حبيبهم ونفورهم من ذكر بُعده وخوفهم من جواه؛ محبون صادقون لحبهم وأحبائهم، والحق ليس كذلكَ!
فإن ذلك المحب المدعي صفاءَ وده لمودوده، إنما هو حريص على عدم ورود الحزن على نفسه وقلبه، فإنه عندما يجزع من موت حبيبه، ما يخاف إلا من وحدة نفسه وفقدان ذلك الروح الذي يؤنس روحه، ووجلُه من فراق حبيبه صادر من ذعر داخلي بوجدان فراغ في جوفه بعد تولِّيه وتركه المكان خاليا. فجملة ما يخاف منه المُحِبُّ إنما هو خوف على نفسه وحرص على روحه وإمساك لثبات قلبه.
وما ذلك بالإخلاص للحبيب نفسه، بل هو تفانٍ لشخصه، وإن كان ظاهره الإخلاص عند جنس من له بشرة.
إنما الحب الحقيقي والود الصادق للمحبوب هو الذي يُخاف فيه على نفس الحبيب قبل نفسه، ويقدم منفعته على منفعته، ويرفع قيامته على دنياه، وإن كان في ذلك شر لمصير الحب الكائن بينهما أو في أحدهما، ولو التهب بنار الجوى وأُضرِمَ كيانه بشرارات اللهب!
ولقد اقشعر بدني حين قرأت خبر التابعي “عبدالرحمن بن أبي عمار” الملقب بـ”القسِّ” مما جنى من الورع والتقوى النادرين. حين أغرته امرأة في أوجِ الحسن الخَلقِي الخُلُقي، وفي غاية الإبداع الشعري، وعجيب إيقاع لمساتها البديعة على معازفها، وأخذته إلى آخر المآخذ من الفتنة والإغراء، حتى إذا ظنت أنه ساغ لها، قالت له: ((أنا واللهِ أحِبُّك!))
فأجابها بصدق ما كنَّ في قلبه: ((وَأنا واللهِ الذي لا إلٰه إلا هو…))
قالت: ((وَأشتهي أن أُعانِقَك، وَأقَبِّلك!))
فردَّ عليها كما صح له نفسه: ((وأنا واللهِ!))
حينها؛ توهمت في قرارة نفسها أنها نالت منه، فقالت له: ((فما يمنعُك؟ فواللهِ إنَّ الموضعَ خالٍ!))
عند ذلك؛ نطق لسان العبد النقي فؤاده، المتحدي بتقواه الذي وهبه الله إياه الناسَ، وقال: ((يمنعني قول الله عز وجل: ((الأخِلَّاءُ يَومَئذٍ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إلَّا المُتَّقين)) [الزخرف: 67]، فأكرَهُ أن تُحَوَّلَ مودَّتي لكِ عداوة يوم القيامة!))
لم يشأ ذلك الودود المحق أن تصير محبوبته يوم القيامة عدوة له، وإن كان ذلك تضحية منه في حبهما، وعلى حساب عشقهما الدنيوي، ولو أفضى ذلك الحبَّ إلى زوال وفناء!
ويصدق هذا المثال على الصديق أيضا، لأن الصداقة الصادقة تقتضي أن تكون على أساس المنفعة الروحية والعقلية والأخروية، وأن ينتفع الطرفان الأخلاق السامية والروح العالية والتعاليم الجميلة والعبادات الجليلة من بعضهما البعض، وإن اختلفا في مسائل فلا يُفضي ذلك إلى أن يصلا لمفترق الطريق. وإن سخطا من بعضهما، فكلٌ منهما يجاهد أن يجد الخطأ في نفسه ويُلفي ما يصالح به صاحبه، لا أن يتنفاروا على كل عظيمة وحقيرة!
إن هذا لخير مثال على الحب العذري حقيقة لا اسما فقط، وإن مثل هذا ليستحق أن يلزمه المرء حيث يجده، صديقا كان، أو حبيبا، لأن أمثال هؤلاء قد أوشكوا على الانقراض في عصرنا هذا.





