زيد عيسى العتوم
عند الغوص في عالم السياسة والإبحار في مصائر الدول وأحوال الشعوب, قد يلزمنا الإمساك بحبل علم النفس الذي يجعلنا نبصر الواقع ونتلمّس الحقيقة, ما دام الفكر الجمعيّ يعبّر عن منظومة التكتّل والترادف التي يعيشها الأفراد في مكانٍ ما وزمنٍ ما, لكنّ لتلك القاعدة كلمات تصطفّ خارج السياق, وأشكال وطيور تغرّد خارج السرب, وإحدى تلك الإضطرابات وأشهرها هي حالة “الإنكار” بمعناها السياسيّ والإجتماعيّ, حيث يمتنع الفرد أو المجموعة عن الاعتراف بالحقائق رغبة في إسناد الذات وكآلية للدفاع عن النفس, فالشعور باليأس والقلق والعجز يدفع الواهمين الى التشبث بظلال أحلام اليقظة طواعية, وفي تلك البوتقة تُصاغ التبريرات ويُلقى اللوم وتُقطع الوعود والعهود, وفي النتيجة تُختزل مساحة الحياة بمقدار مساحة تلك العقول الراضية بخيالها اللذيذ.
لقد اجتاح الربيع أو الخريف العربيّ الكثير من الدول العربية بألوان وأبعاد متفاوتة, فتبدّلت الأحوال في بعضها وتكسّرت وتهشّمت الظروف في بعضها الآخر, ورافقت تلك الهزّات السياسية ارتدادات عميقة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي وحتى الفكري فيها, وكان لمصر ذات المساحة والموقع والخصوصية والتعداد نصيب بسطه ثورات وصولات وجولات, ومقامه سنوات وتضحيات ودماء دفعتها مصر لتستقرّ وتبقى, مع الأخذ بالحسبان أن الحالة المصرية لم تكن بمجرد تبديل الشخوص والوجوه, بل اقترنت بالصراع والتصادم مع أيديولوجياتٍ تدّعي المثالية والكمال تحت ستائر الدين ومفردات التديّن, قضت فيها تلك التيارات الخشنة جلّ وقتها تحت الارض تعدّ العدّة وتتحين الفرصة, ترى نفسها رافعة للراية ومخلّصة للأمة, حتى تكشّفت للنور فتكشّفت عيوبها وتبدّى قصورها, وعندئذ اختارت غالبية المصريين أن تكون هناك نهاية وأن تتبعها بداية.
ليس غريباً أن تتناهى الى مسامع المصريين تلك الدعوات المكرّرة بمصادرها ومضامينها بعد كل إشراقة شمس وهجرة طيور, ولسان حالها ما ينفكّ يتحدّث عن جمعة الحسم وشهر التغيير وعام الخلاص!, وضرورة نزول الجموع وتهافت الحشود واكتظاظ الشوارع والميادين لتغيير الواقع المصريّ, ليعقب تلك النضالات الالكترونية مزيد ومزيد من الفشل والاهتراء, حتى تعوّد المصريون في مدارسهم وجامعاتهم ومصانعهم ومدنهم وقراهم على تلك الترّهات التي لا تجلب خيراً ولا تنبت زرعاً, وبسبب متلازمة الإنكار التي أصيبت بها تلك الأبواق الباهتة, فإنها لا تتوانى بعد كل إخفاقٍ عن معاودة المحاولة من وراء منابر التواصل الاجتماعي, حيث تجد ضالتها في مقارعة طواحين الهواء التي تراها ماثلة أمامها.
لقد اختارت بعض الغربان التي تهوى خلخلة الوعي المصريّ العصي على نواياها الخبيثة, يوم الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر يوماً لثورةٍ أسموها “ثورة المناخ”, في محاولة لاقتناص فرصة ذهبية تجعل العالم ينظر اليها في ذلك اليوم وفي تلك المناسبة, ثم تألق طموحها وتعاظمت نشوتها بأن ذلك الحدث سيكبّل أيدي المصريين عن حفظ استقرارهم وحماية أمنهم, لكنّ المصريين لم ولن يُضعفهم ذلك النعيق الذي يصدره ذلك الذباب الالكتروني الهزيل, ومصر التي هزمت هولاكو لن يهزّها أو يعكّرصفوها ذلك الغثاء العفن!





