*محمد هشام خليفي
إنّ تهنئة الكفار والمشركين بأعيادهم وهديهم الظّاهر الذي لا يؤثر على عقيدة المسلم ودينه أمر لا بأس به وهو مرغوب ومطلوب وأنت خبير أن الكثير من أهل الإسلام اليوم يعيشون في بلاد أوروبا وفي أمريكا وكندا وغيرهم من البلدان التي لا تدين بالإسلام ولهذه البلدان أعياد وطقوس ينتظرها الناس كثيرا ويشتاقون إليها ويفرحون بها ويستعدون لها كأحسن ما يكون الاستعداد ، فإذا قدّم المسلم التّهاني لجاره الكافر أو المشرك أو الملحد بهديه الظّاهر الذي لا دخل له في العقيدة وإنما هو كلام لا يزيد على القول باللسّان فقط دون اعتقاد بصحّته أو رغبة فيه أو محبّة فإنّ هذا من تعاليم ديننا الحنيف وبابا عظيما من أبواب الدّعوة الى الله عسى الله أن يشرح صدر ذلك الكافر للإسلام كما هو مشاهد في كل بلدان الكفر من دخول أهلها في دين الله سبحانه وتعالى بسبب الدّعوة العمليّة التي تتمثّل في حسن معاملة المسلم لجيرانه في بلاد الغرب وبلاد غير المسلمين.
وإنّي لأعجب من الوهّابيّة الذين لا يجيزون ذلك وأقول لهم :
أخبروني عن ابن تيمية من هو عندكم ؟ فمن قولهم هو : شيخ الإسلام وأعلم العلماء وأوحد زمانه وما جاد الزمان بمثله ، نقول لهم : فإنّه يجيز تهنئة المسلمين لغير المسلمين بأعيادهم ويجيز للمسلمين أن يشاركوا الكفار في هديهم الظّاهر ، فلماذا خالفتم ابن تيمية الذّي هو أعلم أهل الأرض عندكم ؟ فإن قالوا أين وجدتم هذا القول لشيخ الإسلام وأعلم الأنام ابن تيمية ؟ قلنا لهم : وجدناه في كتاب ابن تيمية الموسوم بـالإقتضاء الذي هو كما قد علمتم “اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم” وفي الصفحة (176) يقول (شيخ الإسلام وأعلم الأنام ابن تيميّة الحرّاني) ما يلي :
«كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة ثم نُسِخَ ذلك، لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس لا بعلامة ولا غيرها. ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدى. وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه، كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار. فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء، لم يشرع المخالفة لهم. فلما كمل الدين وظهر وعلا، شُرِعَ ذلك. ومثل ذلك اليوم، لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر. بل قد يستحب للرجل أويجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة». وأيّد هذا ابن عثيمين في تعليقاته على “الاقتضاء”.
فهذا ابن تيميّتكم يقول إن حديث النهي عن التّشبه باليهود والنصارى يدخل في حكم المنسوخ ، ويقول : ” بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم في هديهم الظّاهر” .. فأخبرونا يا (وهّابيّة) ابن تيميّة أعلم أهل الأرض وشيخ الإسلام أم هو جاهل ولا علم له ؟ نحن لم نقل بنسخ حديث النهي عن التّشبّه باليهود والنّصارى ولكن قلنا لهم كلاما بألسنتنا فقط عبّرنا لهم فيه عن تهنئتنا لهم بأعيادهم ، وابن تيميّة قال بنسخ حديث التّشبّه باليهود والنصارى وقال انه (مستحبّ وواجب) !! ولا أدري كيف جمع بينهما ، وأيّد هذا الكلام ابن عثيمين في تعليقاته على (الاقتضاء) ولم ينكر هذا الكلام رجلا واحدا من (عملاء) بني وهبان !!
فمن أولى باللوم إن كنتم تعلمون ؟ ومن أولى بالتّعزيز إن كنتم تفقهون ؟ ومن أولى بوضع رأسه في كيس أسود ليتقنّع به حياء من الله إن كنتم تستحون ؟
–
*محمد هشام خليفي ، من الجزء الثالث من كتابي في الفقه المقارن الموسوم بـ (وسائل الائتلاف في مسائل الاختلاف) .





