ريم عيسى.
في طريقي كل صباح إلى العمل أراقب وجوه الناس فأجد بعضها وجوها باردة متجهمة، وبعضها شاردا مشغول البال، وبعضها قلقا وأجدهم أحيانا وجوها غاضبة، ولَكَمْ أتوق إلى تلك الوجوه المبتسمة، إلى التحيات الرقيقة، وإلى السلام المتناثر من أفواه الناس في الشارع، يحيون بعضهم بعضا، وكأنهم لم يروا بعضهم منذ زمن، رغم التقائهم اليومي، وأفتقد تلك الصباحات الرائعة المحفورة في ذاكرتي منذ طفولتي في طريقي إلى المدرسة كل يوم؛ فيخطر في خاطري سؤال: أين ذهبت تلك الصباحات؟ ولماذا تغيرت وجوه الناس؟
ولأبوح لكم بشيء لم أعد أتجرأ أن أحيي أحدا أو أسأله فالكل يجري في عجلة من أمره الكبار والصغار.
واليوم وأنا في زحمتي مثل كل الناس توقفت وقلت في نفسي لماذا لا أسمع صوت فيروز صباحا وأشرب مشروبا ساخنا، ولماذا لا أتناول فطوري بهدوء، ثم أبدأ نهاري بقوة وشغف بعد أن أشحن طاقتي بروح إيجابية..
إن هذا الحدث الذي نلحظ في كل يوم، نابع من عوامل عديدة قد لا نتمكن من حصرها لكننا قادرون على عبد بعضها والتي ربما تكون أبرزها.
ضغوط الحياة:
المسؤوليات المتزايدة وأعباء التربية وتأمين لقمة العيش والحياة الكريمة مع تغير المتطلبات حوّلت الحياة إلى سباق مع الوقت وتحدي كبير يصعب على من ليس لديه مهارات ومرونة وصبر أن يصمد أمامها، وليضع الناس في حالة قلق وتوتر مستمر يتعكس في كل مرآة. وقد تقود إلى أماكن خطيرة لكنها بلا شك تؤثر بطبيعة الحياة وطبيعة العلاقة بين أفراد الأسر مما يخفض التوقعات الإجمالية من الفرد والمجتمع، وينعكس هذا التوتر في إنجاز الأعمال وأداء المهن لتضعنا هذه الضغوط في مواجهة مع ضغوط من نوع آخر تتعلق بالعمل.
ضغط العمل:
اعتدنا عند البحث عن عمل جديد إدخال بعض المصطلحات والجمل التي تدعم السيرة الذاتية وتظهر للطرف المسؤول عن التوظيف أن لديك خبرة جيدة مما يزيد من فرصة حصولك على العمل المرجو
منها مثلا: القدرة على العمل تحت الضغط – أتحلى بروح الفريق – العمل كفريق وغيرها.
وغالبا عند التدقيق ستلاحظ أن كاتبها ألصقها في سيرته، دون فهم جيد لها وستلاحظ أيضا أن معناها متفاوت من شركة إلى أخرى أو بين بيئة عمل وأخرى، لكن المهم في هذا الجانب تحديد مفهوم ضغط العمل.
وهنا لا بد من النّظر إلى الواقع لنحسم الإجابة عن هذا المفهوم ” ضغط العمل” وعنده سنجد أن العمل في العصر الحالي (مهما كان نوع العمل) مجهدا قاسيا صعبا مليئا بالضغوط ….. لأن كلمة ضغط كلمة مطاطة تحمل في ثناياها الكثير من الصور والأشكال لكن أصعبها، هي الضغوط النفسية بسبب تأثيرها الكبير على الجسد العامل وما تسببه من أمراض ناتجة عن التفكير، والخوف المَرَضِيّ من فقد العمل وتبعاته المتزايدة والأعباء الملقاة على عاتق الموظف، الذي يدخل في سباق مع الوقت الرسمي للعمل كي لا يضطر إلى العمل بعد العودة إلى المنزل، علاوة على التعامل مع رؤساء عمل بطباع صعبة ومزاجية حادة.
إنّ من أبرز ما يسببه انعدام الأمن الوظيفي هو قتل العمل بروح الفريق إذ تطفو على السطح مظاهر التنافس غير الشريف بين أعضاء الفريق، وتبدأ عمليات الانشغال عن العمل بالتفكير في تصدي الهجمات ومكافحة الإشاعات، والبحث عن ملاذ آمن يخرجك من دوامة المنافسين الذين يستهدفونك، فقط من أجل إبعاد الأنظار عنهم، ومن أجل اشغال الإدارات عنهم بغيرهم، حتى يضمنوا بقاءهم في العمل لأطول وقت ممكن، إن أخطر ما يكون في هذه التنافسات الاتهامات القادحة في الأمانة والأخلاق والشرف، والضمير الوظيفي لأنها ستلتصق بك إلى يوم يبعثون، مما يشكل قلقا مرضيا، بين الحفاظ على الوظيفة في هذه الظروف الصعبة وبين السلامة من هذه التنافرات والتنافس غير الشريف.
خلاصة القول:
إن الحياة في ظل هذه الظروف الراهن، لابد لها من بيئة آمنة وظيفيا حتى يستقر الموظف، ويعمل بعيدا عن التوتر والقلق والخوف، وهذا يتطلب إدارة مهنيّة وفها شريفا لعمل الفريق، لذلك عزيزي المسؤول تذكر أن أهم نقاط قوتك، هي فريقك الذي يعمل تحت سلطتك، فخذهم بعين الرحمة، وأرهم نموذجا للبيئة الآمنة التي هي أساس الإنتاج الحقيقي، وهي أساس الحياة الكريمة.
وأخيرا أؤكد على أن بيئة عمل آمنة وشريفة، هي مفتاح البيئة الأسرية المستقرة، وهي أول حاجز يمنع ضغوط الحياة، وهي محرك الإنتاج ودافعه.





