*د.محمد الخمسي
النقابات ومعادلة الوظيفة والتوظيف
مما يعاني منه المشهد السياسي في المغرب، الالتباس الحاصل في علاقة السياسي بالنقابي، مما جعل خلط الادوار يخلق خللا بنيويا في الوظائف ، فإذا كانت الحكومة تسعى لتحقيق برنامج انتخبت عليه، (مع ما يرافق عملية الانتخاب من شوائب ليست هدف هذه الورقة ) فإن النقابات تمثل الدفاع عن مكونات اجتماعية، تربطها مجالات وظيفية، بمعنى تدافع عن الطبقات والفئات المكونة للمجتمع من الجهة، و المنضوية اي المرتبطة بالانتماء حسب الوظيفة او الشغل، فنتحدث عن فعل نقابي لمجال معين، كنقابة الاطباء، او نقابة المهندسين ، او نقابة الصناع او نقابة الفلاحيين…، وبما ان الدولة “اي كان نظامها السياسي” مسكونة في عقلها الباطن بمواجهة كل كثلة صلبة، قادرة على فرض شروطها، و من اجل اضعاف هذه الشروط و المطالب بناء على الاكراهات الكلية، أو التوازنات الماكرو-اقتصادية، او الصراع على المصالح و الثروة كالسعي لتركيزها، فهي تسعى اي الدولة بعدة آليات ووسائل ناعمة كخيار اساسي لتفكيك هذه الكثلة ، وهنا يأتي دور التوظيف السياسي لتكسير الوحدة النقابية، وجعلها ملحق للفاعل السياسي، أي من أجل ضبطها ووضع سقف لمطالبها، ومع كثرة العناوين، يسهل الحوار و اللعب على تناقض المطالب، او خلق تنافس سلبي بينها، وهكذا يتحول مسار النقابات من آلية اجتماعية لخلق حوار سلمي، و من اجل الاستجابة للمطالب، ضمن الاكراهات والسياق الذي قد يكون وطنيا واحيانا دوليا، الى آلية لتخفيظ سقف هذه المطالب من خلال تنويع ادوات الضغط و الاغراء (خلق غراءات الممثلين النقابيين، اعتماد الرشوة احيانا المقنعة في شكل دعم مكاتب النقابات وتمويل انشطتها، الوعود بمواقع سياسية مستقبلا، ..تحسين الوضعية عبر جملة من الامتيازات)، حيث تتدخل عوامل قاهرة للدولة الحديثة، مثل توجهات صندوق النقد الدولي، او البنك الدولي، او عوامل اقتصادية، مثل الصراع على الأسواق والبضائع والمواد الأولية، و الاستثمارات الاجنبيه،
العمل بشعار: لا تتركوهم يتحدوا
لم يثبت في التاريخ الحديث اعتبار تعدد النقابات الممثلة لفئة اجتماعية مهنية او وظيفية مصدر قوة، و منبع تحقيق سهل للمطالب، ولدى تشتت النقابات، ومرتبطة في المغرب بتشتت المشهد السياسي، فلكل حزب دراعه، بل انتقلت العدوى التنظيمات الدينية المعارضة، وان عجزت عن بناء حزب سياسي من خلال الاليات القانونية، فإنها اشتغلت على بناء ادرع نقابية، نظرا الحاجة لها كإحدى الأوراق للدخول الى المشهد السياسي، و في كل الاحوال تبقى النقابات منظمات قانونية للدفاع عن الحقوق الاجتماعية، والاقتصادية للمواطنين، والية حضارية لتدبير الصراع والاختلاف حول الحقوق والمصالح، و حاجزا يمنع من الاصطدام المباشر بين مؤسسات الدولة في شقها الأمني، المكلفة بالنظام العام، وبين الطبقات والفئات الاجتماعية التي تضغط لنيل حقوقها و حماية مكتسباتها، ولعل الرأسمالية في دهاءها، استطاعت أن تستفيد من مقولة ماركس “ياعمال العالم اتحدوا “، بتحويلها “لا تتركوا عمال العالم يتحدوا”، وكان مدخل بناء هندسة سياسية في حضن الرأسمالية ، إذ أصبح كل حزب بين خيار انشاء نقابة او ربط الصلة بنقابة ما، في مجال ما، و كان من ثمار ذلك ان انتقل التنافس السياسي بين الاحزاب، ليتحول الى صراع نقابي، جوهره سياسي بين النقابات، وستظهر بعدها نقابات عقلانية، ونقابات صلبة، ونقابات سهلة، ونقابات مزايدة، ونقابات وسيطة، ونقابات مرتشية، اي سيمتلئ سوق النضال بعناوين متعددة.
في فلسفة الاستجابة من اجل سلم اجتماعي حقيقي!
ان أسوأ عملية لمواجهة النقابات هو عجز الطرف الممثل للدولة امام ممثل القطاع العام أو الممثل للعمال في الشركات “القطاع الخاص” من خلال استبدال الحوار، والعجز في تحقيق المطالب بالنقاش وعبر المؤسسات، باللجوء الى الجهة المكلفة داخل الدولة بالامن والحفاظ على النظام العام، وحرقها في المواجة من خلال آلية العنف، بمعنى اخر الاستعانة بالقوة بدل العقل، و بالعضلات بدل الاقناع، فالاعتداءات ضد الاحتجاجات، وخاصة ضد من يمكن الحوار معهم كالأطر العليا سواء المعطلة او التي تشتغل ، و المطالبين بتحسين الوضع او المطالبين بحق دستوري المتمثل في الشغل، هو امر يستنزف قدرات وامكانات الدولة و المجتمع من جهة، ويراكم نوعا من الحقد و الاحتقان الاجتماعي من جهة اخرى، وتكون عملية انتقال الاضراب او الاحتجاج من تحقيق المكاسب إلى الاعتقال و المحاكمات ، واي كانت النتيجة فهذا الخيار اي المواجة الحادة المعتمدة على استعمال القوة، صورة سلبية عن المغرب بشكل عام، و متناقضة مع عدة مكتسبات، وشعارات مرتبطة بحرية التعبير، وحق الاضراب، طبعا لا نستحضر هنا المحاكمات المتعلقة بتخريب الممتلكات او الاحتجاجات العنيفة ضد نساء و رجال الامن، لان الاضراب لم ولن يكون طريق الى الفوضى. وحتى لا نبقى امام ثغرات تحرج القضاء و يبقى الاجتهاد والتقدير سيد الموقف لابد من :
1 استكمال الترسانة القانونية لتشريعات العمل، وملاءمتها مع التحولات التي تعرفها اسواق التشغيل، سواء على المستوى الوطني، بل وملاءمتها مع السياق الدولي، في ظل الانتساب الى الديمقراطيات الناشئة وفي ظل الانفتاح وجلب الاستثمار.
2 تجاوز الاختلالات التي تفرضها الرأسمالية المتوحشة ، والتي ترمي بالعدالة الاجتماعية الى الهامش ، بل لابد من التكيف و التلاؤم الضروري مع مبادئ اتفاقيات العمل الدولية؛ و حماية الطبقات الاجتماعية من نوع اخر من الرق والعبودية، حيث تسعى الرأسمالية المتوحشة للبحث عن يد عاملة رخيصة طيعة دون تكوينها او تأهيلها او تطورها، معتمدة على عضلاتها و عمل روتيني التى لخصها فيلم شارلي شابلن “الأزمنة الحديثة”، إذ يقع تغيب شبه كامل “بوعي او بدون وعي” لشروط حماية الطبقة العاملة والشغيلة، رغم تحقيق ربح فاحش من طرف المشغلين، وهو ما يعكس استغلالا وحشيا؛ الذي يرافقه عمل في ظروف غير إنسانية وقاهرة ومدمرة للصحة ، وخير مثال معامل النسيج تحت الارض بدون تهوية او مخارج الانقاد ودون تصريح للشغل، ودون اي ضمانات انسانية، فرصد مجموعة من الأحداث تؤكد هذا الوجه السيئ من الاستغلال ألا انساني، ذهبت فيه عشرات الارواح، او وقعت فيه حوادث عمل، ادت الى عاهات مستديمة، بشكل تدمرت معه معاني الحياة والعيش الكريم.
مجموعة من المكتسبات في خطر
تعتبر عملية الاجهاز على المكتسبات انتكاسة في مجال دولة القانون، وتراجع عن المعنى الايجابي للديمقراطية، ومن هاته الانتكاسات استهداف بنود مدونة الشغل التالية:
* ما يتعلق بتقيد العمل بعقدة محدودة في المدة، الأمر الذي لا يمكن الحديث فيه عن استقرار نفسي واجتماعي، والشعور العديد الافتراس من طرف البطالة في كل لحظة وحين، يجعل المشتغل في حالة من الخوف و يدفعه الى التنازل عند اقتراب نهاية العقد، وخاصة العنصر النسوي الذي قد تصل الحالة إلى التحرش والاستغلال الجنسي بل والاتجار في البسر، وهنا نشير الى المادة 16، كما أن المادة 62 وما بعدها التي توفر للأجير بعض الضمانات القانونية ضد الطرد التعسفي؛ والتي تعطي له حقا طبيعيا يحميه من الميزانية او الظلم او الافتراء او الابتزاز، هي مكسب يجب ابقاءه وعدم الاجهاز عليه في مدونة الشغل القادمة، بل لابد من تحسين هذه المواد وسد ثغرات ضعفها،
و تعتبر المواد من 66 إلى 71 التي تقيد التسريح الجماعي للعمال وإغلاق المقاولات؛ مفهوما متقدما للحقوق ، وبالتالي فالإجهاز عليه سيكون انتكاسة بكل المقاييس، وخاصة في جانب الرعاية الاجتماعية ، لان الاجهاز على هذا الحق، هو خلق الهشاشة الاجتماعية، وفتح الباب لها على مصارعين.
هناك مواد أخرى تتعلق بتحدد الحالات التي يسمح فيها بتشغيل عمال من طرف “مقاولات التشغيل المؤقت” للقيام ب “أشغال غير دائمة”؛ او التي تلزم السلطة بتسليم وصل الإيداع فورا للنقابات عند تأسيسها أو تجديد مكاتبها النقابية، إلى غيرها من المواد المشابهة. كل ذلك يدعو الى الحاجة لمدونة شغل تستجيب في الحد الادنى الى روح الدستور على مستوى حقوق الانسان، و تحقق المعنى للعيش الكريم وفق المتعارف عليه لدى المؤسسات والمنظمات الدولية العاملة في المجال.
نقابات جادة و مسؤولة شريك وليس خصم او عدو
لابد من بناء ثقافة حقيقية بين الدولة ومؤسساتها و النقابات، حيث تصبح الدولة مقتنعة بضرورة الوجود النقابي الذي يعتبر النقابات وسيط ضروري لبناء دولة القانون، و تجنب الاحتكام الى الشارع العام، و قطع الطريق على اصحاب الفرص السيئة، التي تكره التنمية والتقدم، و تسعى سرا وعلانية الى تخريب هذا البلد.
إن تهميش دور النقابة على مستوى المقاولة، يجعل المشتغلين عرضة لخرق حقوقهم بشكل كبير ومستمر؛ وهذا ما يتجسد على الخصوص في إغلاق المعامل وفي التسريحات الجماعية التعسفية، وفي عدم احترام الحد الأدنى للأجور، ومدة العمل والضمان الاجتماعي ومختلف العطل، في قطاعات وازنة؛ مثل الفلاحة، والنسيج، والسياحة، والبناء والأشغال العمومية، والصناعات الغذائية، وبكيفية أكثر فضاعة في القطاعات غير المنظمة؛ ويحصل كل هذا بمباركة وعلم كافة السلطات، التي لا تقوم بالإجراءات اللازمة لردع المسؤولين عن انتهاك قوانين الشغل،
لقد أصبح واضحا أن تردي أوضاع العمل، بسبب عدم توفير الشروط اللازمة والآمنة، التي يشتغل فيها العديد من العمال والعاملات، مادة إعلامية يطلع عليها العالم اجمع، فالحالات المتكررة دون زجر او ردع للحوادث المميتة والاختناق داخل مقاولات صناعية، يجعل الصورة سلبية على مستوى ادعاء التنمية البشرية و ادعاء ذلك العنوان الكبير دولة الحق والقانون الذي تكذبه مصاديق الاحداث كل يوم.
ان من علامات نضج الدولة في مجال العمل النقابي مصادقتها وعدم التردد فيما يتعلق باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم، ودعم تفتيشيات الشغل، لما يضمن عدم تحيز السلطات إلى جانب المشغلين وتجنب الوسائل القديمة العقيدة التي تعتمد التعنيف و الاعتقال و المحاكمة
او حماية أرباب العمل من المسؤولية اتجاه تطبيق قانون الشغل لفائدة عمالهم.
والخلاصة اصبحنا في حاجة إلى مدونة الشغل التي عجزت عن تحقيقها حكومات سابقة عجز استمر لأكثر من خمسة عشرة سنة.
*استاذ التعليم العالي فاس





