أولويات النظام الإيراني

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

فاطمة ياسين

 

 

 

ليست تحرّكات الشوارع العنيفة في إيران حديثة العهد، وقد بدأت مبكّرة جداً، حيث يعود تاريخ أول انتفاضة إلى عام 1999، عندما أوقفت السلطات الإيرانية صحيفة مقرّبة من الرئيس الإصلاحي، محمد خاتمي، فاعتصم بعض الطلاب في المدينة الجامعية، ثم امتدّت الاحتجاجات لتشمل البلاد. بعد مضيّ عشر سنوات على هذه الحادثة، تحرّك الشارع الإيراني في عام 2009، تزامناً مع إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد. أما في 2017، فقد تحرّك الإيرانيون بسبب إهمال الداخل وانغماس السياسة الإيرانية بالشؤون الخارجية. وقبل سنتين، في 2019، كانت زيادة أسعار الوقود سبباً في اشتعال موجة جديدة من الاحتجاجات. وفي العام الماضي (2021) شهدت عدة مدن في الجنوب الإيراني مظاهرات واسعة بعد موجة جفاف حادّة. لطالما استخدمت السلطات الإيرانية أقصى ما يمكنها من عنف لوقف الاحتجاجات، ولكن المظاهرات التي تشهدها الشوارع اليوم قد تكون الأخطر، فقد وصلت إلى حرق المتظاهرين منزل مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الخميني. وتَطرح صرخات المنتفضين المناهضة للزعماء الدينيين سؤالاً قديماً عن شخصية المرشّح لخلافة المرشد الأعلى الحال، خامنئي، الذي يمثل أعلى سلطة في إيران، منذ نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، وقد استمر في حجز المنصب منذ 1989.

يجري التناوب على منصب رئاسة الجمهورية في إيران بمنتهى السلاسة، ويُظهر الإعلام الإيراني بشكل مقصود الفرق بين الرئيسين، ويكاد أن يكون مصطلحاً إصلاحياً ومحافظاً من اختراعات هذا الإعلام، ليوحي باختلاف هوية المرشّحين السياسية وحالة ديمقراطية مفترضة، بينما يعرف الجميع أن الرئاسة مجرّد واجهة كرتونية يحتمي خلفها المرشد الأعلى، حيث تجد قراراته طريقها نحو التنفيذ بواسطة هذه الواجهة، بغضّ النظر عن هويتها. وبالرغم من أن الرئيس يسيطر رسمياً على المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني، لكن حين ثارت الاحتجاجات الإيرانية في عهد كلا النوعين من الرؤساء، الإصلاحيين والمحافظين، واجهت المحتجين قوات الأمن بالأسلوب العنيف نفسه، ما يؤكّد أن السياسة الإيرانية تصدُر من مكتب واحد، هو مكتب المرشد، ومن يريد ممارسة السياسة في إيران، عليه أن يشغل ذلك الكرسي، ويبدو خامنئي، بعد أخبار متتالية عن انتكاساتٍ صحّيةٍ تعرّض لها، في أواخر أيامه، وهناك من يعدّ نفسه لملء كرسيه.

استمرّ لسنوات الاعتقاد أن الرئيس الحالي، إبراهيم رئيسي، يُعدّ نفسه لمنصب المرشد. وقد حصل الرجل على سلسلة من الترقيات سريعاً، وصولاً إلى لحظة توليه رئاسة الجمهورية عام 2021، وتربطه علاقات قوية بالقوات العسكرية، ويلقى قبولاً من الحرس الثوري والأجهزة الأمنية. أما بالنسبة إلى درجة تدينه ومستوى الكاريزما في شخصيته، فمن غير المعلوم إن كانت هذه الأمور لا تزال مطلوبة لهذا المنصب. كذلك سرت في السنوات الأخيرة شائعاتٌ بأن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الحالي، قد أصبح له تأثير في الدوائر الأمنية، ويمكن أن يكون مؤهلاً لخلافة والده، بعد الإسراع بمنحه لقب “آية الله” حين تدهورت صحة والده. ومن غير المستبعد أن يكون قد نشب صراع بين الرجلين، انعكس على الشارع. وخامنئي منذ تسلمه السلطة، أدرج الأيديولوجيا في معظم سياساته، معتقداً أن المساومة على المبادئ الثورية ستسرع في انهيار النظام، كما ساعدت البيريسترويكا في تفكيك الاتحاد السوفييتي. لكن بينما لعبة الصراع على كرسيه تدور خلف الكواليس، هناك صورة أخرى في المرآة جديرة بالمراقبة، وهي الانتفاضة في الشوارع التي تهدّد بالفعل هذه المرّة باقتلاع نظام استطاع التسلّل والقبض على السلطة، وصنع لنفسه جذوراً عميقة مكّنته من مواجهة كل الانتفاضات التي قامت ضده، ويرى أن عليه اليوم قبل أن يقرّر من هو المرشد المقبل، أن يتمكّن من وقف حركة الشارع الثائر عليه.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...