ديار إبراهيم السَنكَسَري
كان جو المسجدِ المكتظِ بالملالي وطلاب العلم المعروفين بعمائمهم الكردية السوداء المخلوطة ببياض الخطوط والنُقَط سائداً عليه سكونُ الوقار والإجلال، منتظرا طلوع غرة الكلمات الناصعة التي ستغير الوضع بأسره، التي ستقلب المشاعر إلى مبايِناتِها: الحزنَ إلى فرح، والشجنَ إلى طرب، والغضبَ إلى حنان، ودموعَ الحزنِ إلى دموع الراحة!
كان الحشد المحتشِدُ مرتَقِباً سماع الصوت الشجي الذي يُدِبُّ الروح في الحروف والنِقاط المتراكمة فوق بعضها، صانعا فيها عمقا يوقع الآثار على الأنفس الغليلة.
بينما هُم كذلك، إذ بدأ الصوت بالخروج، فإذا هو ينطق:
((مولاي صلِّ وسلم دائما أبدا
على حبيبك خير الخلق كُلِهمِ!))
لم يَصِل المادح للمفردة الثانية حتى أكبَّ الناس أجمعين على ترديد هذا البيت المشهور، الذي تعارف عليه أهل القلب والود، أهل حب المحبوب الحقيقي الذي لا يشاركه حبيب. هذا البيت العريق، صاحب تاج الأدب الإسلامي، الذي لم ينازعه على هذه المكانة أي بيت آخر، ولم يدانِهِ!
شرع صاحب الصوت في الديباجة الغزلية لهذه القصيدة الخالدة، مُخرِجاً كلماتها من مَخرج غير معروف، مَخرجٍ غير متعارف عليه عند الناطقين بالكلمات، مَخرج القلب..
فالمخارج السبعة عشر عادتها أن تخرج صوت الحرف كما هو، أما هذا فهو مختلف، إذ هو يخرج وقع هذه الحروف عليه، ويساعد المخارج الأخرى في إخراج الصوت، فيُسمَع صوت غريب عن أسماع الناس!
لم يُكمِل بيتين حتى نفدت قوى المخرجين من إبداء الإحساس كما هو، فأسعف مخرج صامت في تجلي المشاعر، لذلك انهمرت الدموع على خديه حين قال:
((فما لعينيك إن قُلتَ: “اكففا” هَمَتا؟!
وَما لقلبك إن قُلتَ: “استفِق” يَهِمِ؟!))
كأنه حينها كان يخاطب نفسه سائلا غير عارف بالجواب..
يا لصدق الدموع! تقول ما لا يسع اللسانَ قولُه.
كان الصوت يَدوِي في المسجد، المادح ينشد والحشد يردد خلفه، والصوت يُسمع من جمادات المسجد، كأن الله نفخ الروح في ذرات جمادات ذلك المبعد لتردد بلسانها هذه الأقوال الباهرة!
من يل نظرة سريعة على المجتمعين، يرى أن هذه الأبيات أوقعت آثارا عظيمة على نفوسهم، فلقد تغيرت ملامحهم بعد أن تشبكت حواجبهم في بعضها إثر المحاضرة الكليلة التي أُلقيت على مسامعهم، والآن؛ يُقرأ الحنان على وجه أغلظهم!
مضى المادح في الإنشاد، إلى أن قال:
((لَولا الهوى لَم تُرِق دمعا على طللِ
ولا أرِقتَ لذكر البانِ والعَلَمِ))
استيقظت ضمائر المحبين؛ مخاطبين بهذا البيت نفوسهم، مثبتين صدق حبهم بحجة الدموع المراقة، كأن هاتفا كلمهم أن قوموا فقد قام برهانكم!
وبعدها وجدوا ما يَعذِلون به من ينكر حبهم أو يدعوهم للقناعة بعدم حبهم هذا:
((فكيف تُنكِر حبا بعدما شَهِدَت..
به عليك عُدُول الدمع والسقم؟!))
نعم، إننا محبون صادقون، محبون هائمون في حب محبوبنا، صابيون في ود الذي سكن فؤادنا، مفتونون بعشق من سما بنا إلى أن ارتفعنا عن الإنسانية الدنية. ولسنا نضطرب إذا رأيناه، ولا إذا سمعناه، ولا إذا سمعنا عنه، وليس إذا تذكرناه وفكرنا فيه مليا، بل بمجرد مروره على الخاطر يعكر صفو الفكر ويقلب موازين التأمل إلى عكسها:
((نعم سرى طَيف مَن أهوى فأرَّقني
والحب يعترض اللذات بالألم))
سريان الطيف لوهلة كفيلة بأن تؤرق صاحبها ليلة كاملة، فما بالك بالرؤية والوصال؟!
لله ما هذه الأبيات؟! سامعها يُحس أنها تعبر عن مشاعره، يا ترى كيف كان حال ناظمها؟!
بعد سماعها بآذان القلب، يعرف المرء ما السر وراء خلود هذه القصيدة العميقة، هاته التي تعبر عن ذلك الحب الموقَدِ نارُه الذي لا يَنخَمِد، ولذلك بقي كما بقي؛ تتناقله الألسنة والقلوب بعضها من بعضها الآخر. إن لم يكن كذلك، فكيف لأبيات شاعر مصري في القرن السابع أن تُنشَد الآن على لسان كُردي في بلاد كُردستان النائية، ناطقاً بها كما صاغها ناظمها دون تَعَجُّم*؟
استمر المادح في أمره إلى أن أبدى أمارات الختام وجعل السامعين المُطرَبينَ يرفعون أياديهم مبتهلين عند مولاهم متوسلين بمن يصفون حبهم له:
((يا رَبِّ بالمُصطَفى بَلِّغ مَقاصِدَنا
واغفِر لَنا ما مَضى، يا واسِعَ الكَرَمِ))
هذا هو هُيام الشعب الكردي المسلم بنبيهم (صلى الله عليه وسلم)، كان دأبُ العجائز عندهم ألا يذكروا لفظ النبي مجردا، بل كانوا يذكرونهم بقولهم “خۆشەویست”، أي: (الحبیب)!
هذا صفاء الصدق في ودهم للنبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، قلَّ أن ضاهاهم قوم في هذا الحب الشديد، وكثيرا ما نرى السنة متغلغلة في التقاليد الكردية.
*تَعَجَّمَ: أصبح أعجميا.





