* الدكتور محمد الخمسي
لقد شارك المغرب مشاركة الكبار. شارك في كأس العالم لكرة القدم بعزيمة منقطعة النظير. وبروح و ومعنويات عالية، دون نقص أو شك في حظه وفرصته، وبقي مع ضمن الفرق الأربعة؛ إثنين منها سبق لهما أن فازتا بكأس العالم؛ بل تمثل مدارس في كرة القدم هما: فرنسا والارجنتين.
فريق ومدرب أعطوا أقصى إمكاناتهم. ومن هنا كل التعليقات الجارحة؛ هي هدم للمستقبل، ونقص في الوفاء، وضرب للإرادة والمعنويات.
فريق وحد العالم العربي والإفريقي والإسلامي.
من المعلوم أن الدول العربية؛ وهذا ليس سرًا أو خافٍ عن أحد، بين بعضهم كثير من الخلاف والنزاع. بعضه له تفسير سياسي. وبعضه لأسباب تاريخية. وبعضه لأسباب نفسية، وكره؛ إلى حد الاستعصاء على الفهم؛ مثل ما يقع لنا مع جارتنا الشرقية.
غير أن الفريق الوطني المغربي؛ استطاع الانتصار على كل هذه الأسباب. كما استطاع أن يجعل الشعوب العربية تعبر عن مساندتها في كل المباريات للمغرب؛ بل عبرت عن ذلك في شوارعها ومؤسساتها الشعبية، والرسمية، والإعلامية، باستثناء حالات شادة لا يقاس عليها. واستطاع المغرب أن يحرك مشاعر الأفارقة، ويبعث الحلم الإفريقي من جديد؛ حيث بقي حاضرًا في المربع الذهبي كفريق تأهل من خلال انتماءه الإفريقي، فكان ممثلًا بكل فخر واعتزاز.
أما العالم الإسلامي فقد اكتشف في المنتخب الوطني قيم البر والوفاء بين الأجيال. واكتشف مكانة ألأم داخل الأسرة المغربية. كما بعث برسالة الإيمان و التوحيد؛ دون ازدراء لديانات مختلفة، بأخلاق الاختلاف والتنوع، وبروح العيش المشترك وقيم التسامح.
لقد كانت قضايا العدل والحرية ورفع الظلم حاضرة أيضًا من خلال العلم الفلسطيني؛ كرسالة مفادها؛ أن هذا الشعب يستحق الحرية والكرامة، والعيش فوق أرضه، تحت راية ودولة ذات سيادة.
* جميعا نحو المستقبل.
من أهم ما تعلمه الروح الرياضية هي قبول الهزيمة والانتصار، كنتيجتين منتظرتين في كل مباراة. وهي درس يعبر عن الروح الحقيقية للعملية الديمقراطية. فبنفس الإرادة التي يسعى بها فريق إلى الفوز، يجب أن تكون له الشجاعة أن يتقبل الهزيمة ، ذلك اول درس مستخلص من قواعد ونتائج المنافسة الرياضية.
لقد أعطى لنا الفريق الوطني من خلال كرة القدم أربعة ثمار؛ منها ما هو حاضر الآن. وبعضها يجب الاستفادة منه في المستقبل:
1. أول هذه الثمار؛ هو التعريف ببلد وموقع وثقافة وتاريخ، يجب الاشتغال عليه ليتحول هذا التعريف إلى رصيد سياحي. والسياحة مصدر تشغيل وعملة واقتصاد. طبعًا لدينا مؤهلات وموارد؛ ولكن الفريق الوطني أرسى علامات وهيئ فرصة الاستقطاب والمنافسة.
2. تطوير المجال الرياضي بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص. ذلك أن الرياضة ليست متعة وفرجة وتسلية فحسب؛ ولكنها مناعة ضد المخدرات والعنف و اليأس، ومجال استثمار ومنافسة دولية. فقد أصبحت الرياضة صنعة بمعنى الكلمة. تتنافس فيها الدول، وتستثمر في مجالات اقتصادية مرتبطة بها، وتصنع من خلالها موارد هامة.
3. قوة ناعمة تعتمد في العلاقات الدولية. فوجود فريق وطني يشارك في التظاهرات الدولية؛ هو بمثابة دبلوماسية مساعدة للتعريف بالقضية الوطنية، والدفاع عن الوحدة الترابية، إذ لا يقل أثرها عن باقي الأدوات والوسائل بما فيها القوة الصلبة.
4. الحفاظ على مضمون مفردتين دلت الأحداث على تجاوب المغاربة معهما واستيعاب معناهما: مفردة “النِّيَّة” بمدلولها السياسي والديني والاجتماعي، الذي لازال ينحت لحد الآن. تعميم هذا المفهوم داخل المؤسسات. ومفردة “سِيرْ” والتي تعني لن نعود إلى الوراء، وسنتقدم نحو تحقيق أهداف التنمية، قياسًا على المعنى المتضمن من القرب إلى شباك الخصم، لتسجيل الأهداف ضد الفقر والتخلف والمرض والأمية.
بقي من الوفاء أن نقول لدولة قطر: هنيئًا لك بنجاح تنظيم كأس العالم بشكل منقطع النظير وبتفوق عال؛ مقارنة بالتجارب السابقة. وشكرًا لك قيادة وشعبًا على كل أشكال الدعم المعنوي والرمزي والمادي. فتلك من أخلاق الكبار، ومن حكمة العقلاء.
____
* المفكر الاستراتيجي والراصد الاجتماعي المغربي





