*دكتور طلعت غنيم حسن
ثمة تحديات ليست بالهينة واجهتها بلدان المغرب العربي في الشهور الماضية فقد ظلَّ اقتصاد هذه البلدان يعاني الركود طيلة سنوات، أعقبها فصول من النزاع الروسي-الأوكراني المتفاقم وغير المتناهي والتي سددت سهامها إلى سلاسل توريد الغذاء والطاقة والحبوب وغيره من المواد الغذائية بخاصة القمح، وإلى جانب ذلك، عانت البلدان المغاربية من الجفاف بسبب نقص هطول الأمطار. و”رغم اختلاف تأثير هذه العوامل، من بلد إلى آخر، يبقى القاسم المشترك بين دول تونس والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا، هو أن ارتفاع تكلفة الغذاء والطاقة سيكونان سبباً في استياء شعبي كبير”.
وليست مصر بمنأى عن جميع هاتيك المشكلات والأزمات بل إن مصر بضخامة عدد سكانها (120 مليون نسمة) يعاني شعبها من أزمة اقتصادية طاحنة ومن أزمة غلاء معيشي غير مسبوق، بل إن الطبقة الوسطى المصرية تلاشت وذابت ولم يعد لها وجود لأن جميع أفراد هذه الطبقة التاريخية بمصر أمسوا فقراء، وتأسيساً على ذلك فإنه في مصر الآن طبقتان لا ثالث لهما: الطبقة الغنية الثرية وهي قليلة، والطبقة الفقيرة والمعدمة وهم الجمهرة العظمى من شعب مصر.
ولا أحد يعرف حتى الآن متى تنتهي الحرب العبثية الروسية الأكرانية، والمؤشرات كلها تدل على أن هذه الحرب الروسية الأكرانية لن تضع أوزارها قريباً، طالما يزكي نيرانها بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية الذين ما فتئوا يزوّدون أكرانيا بكل أنواع العتاد العسكري والسلاح والمؤن والمال حتى يستمر أتون الحرب ويشتد استعار أوارها.
ونرجو ألا يكون العرب والمسلمون وقوداً لهذه الحرب بطبيعة الحال، لكن حيث إننا لسنا طرفاً في هذه الحرب ولا ناقة لنا فيها ولا جمل، إلا أننا ندفع ثمناً باهظاً يتمثل في اضطرابات سلاسل الإمداد بالغذاء التي أفضت في نهاية المطاف إلى غلاء المعيشة واستعار تكاليف العيش في بلاد المغرب العربي وبلاد العرب عموماً، وصار العرب والمسلمون في ضيق من العيش، بل أمسوا فقراء بحاجة إلى المساعدات.
لكن ما يهمنا هنا هو أن عداء الغرب للإسلام والمسلمين قد خفَّت حدّته ووطأته منذ اشتبكت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي – من بعيد – في إذكاء نيران الحرب واستنزاف روسيا عن طريق وقوفهم مع أكرانيا وافتعال المزيد من الذرائع من أجل توريط موسكو واستنزافها في الحرب مع أكرانيا.
ولحسن الحظ، تبين – بعد أُمَّةٍ – للغرب أنهم بحاجة ماسة إلى الطاقة التي يوفرها العرب من غاز طبيعي ونفط وكهرباء هيدروجين أخضر، وطاقة نظيفة، وأن العرب ليسوا أعداءً ألدّاء لهم كما ظنوا، وكما سبق أن توهموا! بل تبين لهم أيضاً أنهم كانوا قد أخطأوا حينما وجَّهوا سهامهم في صدور الأبرياء في بلاد العرب الذين قدَّموا الآن نفطهم وغازهم الطبيعي للاتحاد الأوروبي عن طيب خاطر وبلا رغبة في التشفي أو الانتقام. والجزائر بطبيعة الحال هي من أوائل الدول المغاربية التي قدمت وماتزال تقدم وسوف تقدم غازها الطبيعي ونفطها إلى بلدان أوروبا.
وكلنا شاهدنا كيف زار مسئولون فرنسيون الجزائر ليتفقوا على إمدادات الغاز الطبيعي خلال شتاء 2023 وما بعده إلى فرنسا. وبخاصة أن “مستقبل إمدادات الغاز الطبيعي في أوروبا غير مؤكد” حسبما جاء في تقرير لمركز أبحاث (The Shift Project) التابع لوزارة الدفاع الفرنسية. وأتوقع أن تزود الجزائر فرنسا بالغاز وغيرها من مصادر الطاقة البديلة، رغم التصريحات الجزائرية التي قالت إن “الجزائر رفضت إجراء أي مفاوضات مع فرنسا قبل نهاية 2022 كما كان متفقًا عليه سابقًا، وقررت تأجيل الحديث إلى العام الجديد 2023”. وأشارت المصادر إلى أن التأجيل يأتي في إطار رغبة سياسية ما زالت مستمرة بأن فرنسا يجب أن تدفع ثمن تجاوزاتها السابقة بحق الجزائر.
وعلى صعيد المملكة المغربية، فإنه بالإضافة إلى الجفاف، يتوقع أن يتأثر النمو الاقتصادي للمملكة بعواقب الحرب الروسية-الأوكرانية. لقد تضرّرت المملكة المغربية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وبعض المنتجات المستوردة ناهيك عن المضاربات والسوق الموازية للعملات الأجنبية وغيرها من الأسباب الداخلية.
ووسط كل هذا وعواصف الحرب الروسية الأكرانية التي طالت الجميع، يعتصرني الألم وأنا أقول إن العالم الإسلامي في العصر الحاضر يعاني أزمة طاحنة متعددة الجوانب، ففي الوقت الذي تتلاحق فيه التطورات العلمية والفكرية والحضارية في مناطق العالم المتقدم إذا بنا نرى التخلف بكل أبعاده المادية والمعنوية، العلمية والدينية، الفكرية والحضارية، يخيم على العالم الإسلامي. وجاءت هذه الحرب العبثية لإفقار العرب، ولتضر بكثير من بلاد العرب والمسلمين ومن ضمنها بلدان المغرب العربي بطبيعة الحال.
و”قد حدا ذلك ببعض خصوم الإسلام في الغرب إلى إلصاق تهم التخلف بالإسلام نفسه. وليس من غرضنا أن نشغل أنفسنا بالرد على هذه المزاعم فالانشغال بذلك يعد لوناً من ألوان ردود الأفعال التي لم يعد يجدر بنا أن نقف عندها طويلاً، بل ينبغي علينا أن نقتحم المشكلات المحيطة بنا بأسلوب عقلاني بعيد عن الانفعالات العاطفية، بصرف النظر عما يقال هنا أو هناك، من أجل البحث عن حلول سليمة لمشكلاتنا المصيرية، وعلى رأسها قضية التخلف الحضاري الشامل الذي لا يخفى على أحد، وذلك على الرغم من وجود قشرة حضارية يلمحها المرء هنا أو هناك” .
وأرى أن الأجواء الآن مناسبة للحوار مع الغرب بمعناه الشامل – أي أوروبا وأمريكا وأستراليا ونيوزيلاند” لتصحيح الصورة الذهنية التي أصابت العرب والمسلمين في العقدين الماضيين.
ومن ثم كان لابد أن تكون للعرب والمسلمين ثمة استراتيجية مقترحة للتأثير في الغرب – في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية متى وضعت أوزارها – وتغيير الحالة التي أفضت إلى تكوين صورة سلبية للإسلام والمسلمين والشرق العربي والمسلم، من قبل، لدى الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي.
وأرى أن الغرب الذي يحترم القوة سوف يغير نظرته إلينا متى أعدنا إحياء الاتحاد المغاربي الذي يضم المملكة المغربية والجزائر وتونس وليبيا. ومن هنا أعتقد أن إحياءه سوف يعود بالنفع على المغرب العربي الشامل وبلدان شمال أفريقيا، كما أنني أقترح أن يتم ضم جمهورية مصر العربية إليه لتكون إضافة تثري منه، وبخاصة أن مصر تعد امتداداً طبيعياً للمغرب العربي من ناحية الشرق، وأن جميع تلك البلاد ما هي إلا بلدان لشمال القارة الأفريقية الواحدة.
ولعل قائلاً يقول إن صادرت العرب من بلدان شمال أفريقيا (وتشمل: الجزائر والمغرب وليبيا وربما تونس ونضم إليهم مصر) من الغاز الطبيعي والنفط الخام وغيرهما من مصادر الطاقة الجديدة، والطاقة المتجددة، والكهرباء، والهيدروجين الأخضر .. إلخ، سوف تزيد من عوائدها من العملة الصعبة مثل الدولار واليورو والاسترليني لتعوض الخسائر المتكبدة، إلا أنني لا أتفاءل كثيراً بهذا القول وهذا الطرح لأن الضرر القادم من الحرب الروسية الأكرانية ووباء كورونا كان أكبر.
لكننا لا نملك إلا الدعاء لله بأن تضع هذه الحرب أوزارها، وأن يلهم الله رئيس أكرانيا الصواب والرشد ليختار لبلده السلام بديلاً عن الدمار الممنهج الذي تلقاه بلاده – أكرانيا – جراء القصف الروسي المتواصل والممنهج لمنشآتها وسياسة الأرض المحروقة التي تتبعها روسيا لتخريب كل أرجاء أكرانيا.
*باحث وصحافي مصري





