الغاية تبرر الوسيلة، وجهة نظر

 

 

 

 

مصطفى الشنضيض

 

كثيرة هي المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة اختبار واعتبار، بحيث ينبغي تفكيك مضامينها ومفرداتها وإعادة تجميعها وتركيبها، قبل إبداء الرأي فيها، إن القبول أو بالرفض، وعبارة “الغاية تبرر الوسيلة” إحدى هذه المفاهيم.

في نظري، إن الغاية المقصودة، هي المحدد الأكبر للوسيلة المنتهجة، فتحديد الجهة الجغرافية غايةً، هي المحدد لما ينبغي أخذه من الوسائل المسلوكة، إنْ إلى دولة، أو إلى مدينة بعيدة، أو قريبة، أو حي مجاور، فتحديد ذلك هو الداعي إلى اختيار الطائرة، أو القطار، أو الحافلة، أو الطاكسي الصغير، أو الكبير، وسيلةً. وكذلك، إنّ الحمولة المنقولة هي المحدد لاختيار الشاحنة أو التوك توك أو الهوندا حسب المسافة، والشحنة المحمولة.

والمدرب الرياضي لكرة القدم يضع خطته ويختار لاعبيه، وسيلةً، وذلك وفق طبيعة المقابلة وسياقها ونوعها، غايةً، فيختار الخطة المناسبة لأهمية التظاهرة، وللمستوى الذي صعد إليه الفريق فيها، هل الإقصائيات أم النهائيات في أدوارها الأولى أو النهائية.

وقس على ذلك في كل القطاعات الحيوية، الثقافية والاقتصادية والصحية والتعليمية والسياحية والإعلامية، فترتب أولوياتها للمشاريع المنجزة، حسب الغايات الكبرى والرؤى الاستراتيجية لكل دولة، وذلك حسب السياق العالمي والمحلي والظروف البيئية الإيكولوجية (كورونا، شح المياه)، والإكراهات السياسية، وحاجات الشعوب..

وفي مجالنا التداولي الديني فالمقصد قطعا هو المؤطر الأكبر للحكم الشرعي المجرد أو المنزل على الوقائع؛ واعتبيار المآل هو الموجه لاختيار الحكم المناسب للواقعة؛ وتحديد الأضرار هو الموجه لاختيار تحمل الضرر الأدنى منها وسيلةً، لدفع الضرر الأعلى غايةً؛ وتحديد درجة المفسدة في مقابل معرفة درجة المصلحة، هو المحدد لاختيار أيهما أهدى صلوحًا للنازلة، وأوفق مناسبة للواقعة؛ فإن استوت المصلحة والمفسدة أو رجحت المفسدة، قدمنا الإفتاء بما تُدرأ به المفسدة، وإن كانت المصلحة راجحة، قدمنا جلب المصلحة، على توقّع المفسدة أو حتى عند وقوعها. وأحيانًا وتَلْجِئَةً أو اضطرارا فقط، يمكن حتى أن يُرتكب الضرر الأدنى -وليس أن يتحمل فقط- إذا تعيّن فعله لجلب مصلحة عامة أرجح من ذلك الضرر.

قال العز بن عبد السلام: في «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (1/75): «قَدْ يَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً، بَلْ لِكَوْنِهَا وَسِيلَةً إلَى تَحْصِيلِ ‌الْمَصْلَحَةِ ‌الرَّاجِحَةِ».

نضرب أمثلة على ما ذكرنا:
جاز لنا أكل الميتة عن الضرورة وسيلةً بنص القرآن، للمحافظة على النفس غايةً.
تحدِّد طبيعة العلاقة مع الدول المجاورة، اختيارَ دوامِ المسالمة والموادعة، أو إعلان الحرب عليها وسيلةً، للمحافظة على أمن الشعوب ومصالحهم وحاجاتهم غاية. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم سالمَ وناظرَ وحاورَ وقاتل بحسب المناط المحقق.
منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ثم أباحه وسيلةً، وذلك من أجل إطعام المارّة الكثيرين (الدافّة) بالمدينة غايةً، بحسب وجودهم وعدم وجودهم.
علّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حد السرقة وسيلة، لحفظ النفوس والمُهج غايةً.
علق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوبة التغريب للزاني لكونها جاءت بنقيض قصد الشارع.
يحدد القاضي العقوبة اللازمة للمتهم وسيلةً إن بالتغريم أو بالسَّجن أو ما يراه مناسبا لتأديبه وإصلاحه وأخذ الحق للمدعي الصادق المقيم للبيّنة غايةً.
والإقرار على الزواج الفاسد لا يجوز عند المسلمين، بخلاف الزوجين اللذَين أسلما حديثا فيقَرّان على زواجهما، توخِّيا لحسن إسلامهما ودفعا لتكدير صفاء إيمانهما، ودفعا لتنفير المقبلين على الإسلام، بإفساد أنكحتهم.

والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة جدا في كل الأبواب الفقهية.
أما الاستثناء من هذه القاعدة بقولنا “الغاية لا تبرر الوسيلة” يكون في سلوك طريق النهب والسرقة لتحقيق المصلحة الخاصة، وقتل النفوس من أجل السطو على أراضيهم وممتلكاتهم، والتزوير في الأوراق والشهادات، لتحصيل المنصب والترقية، وأمثال ذلك، فهذه الغايات لا يمكن أن تكون مبررا أبدا لهذه السقطات والموبقات، فهي لا تحل بحال لتحقيق مصلحة الأفراد وإشباع جشعهم المتوالد والمتَنَسِّل، فتنقلبَ الحياة إلى جحيم، وتنشعلَ الفوضى والفساد والحروب من كل الجهات.

وعلى كل حال تبقى قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” قاعدة نسبية الإعمال، بحسب القيمة المتوخاة التحقيق، نبيلةً أو عليلةً.

الله يستر العيب

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...