*غسان الاستانبولي
كم هي كثيرةٌ الأسئلة التي تبعت الزلزال الذي ضرب الشمال السوري منذ عدّة أيام، فهل كان السوريون بحاجة إلى حدث كهذا لكي يضعوا مشاكلهم وخلافاتهم جانباً، ويهبّوا على قلب رجلٍ واحد، ليُثبتوا للعالم أن طائر الفينيق مازال حاضراً في كلّ بيت سوري؟
وهل كان بعض القادة العرب، وبعض الشعوب العربية، بحاجة إلى هزّةٍ كهذه، ليتذكروا أن بلدهم الثاني سورية تُذبح منذ أكثر من عقد؟ وبطبيعة الحال فمن لم يتذكر هو أصغر من أن يعتب عليه السوريون حتى وإن كان بموقع ملك.
وهل كان الأميركي بحاجة لمن يضربه على كلتا يديه، القابضتين حتى على الهواء السوري، لكي يترك قيصره للسوريين القليل من هوائهم؟
ويبقى السؤال الأهم هو كيف تم التعامل مع الزلزال الذي ضرب سورية؟
● داخلياً
ما من شكٍّ أن الاستقرار الجيولوجي الذي عاشته سورية منذ قرونٍ ترك حالةً من التراخي لدى معظم مفاصل الدولة، وخاصّة تلك المعنيّة بالتصدّي لمثل هذه الحالات، وأتت الحرب التي فُرضت عليها منذ أثني عشر عاماً، وما رافقها من حصار وعقوبات ليزيد الطين بلّة، ولكن يحسب لمفاصل الدولة أنها تحركت بسرعةٍ لافتةٍ ومؤثرة، وبما توفر لها من مواد ومعدات، حيث وضعت الوزارات والإدارات كلّ إمكانياتها للتخفيف من هول الكارثة، بما فيها وزارة الدفاع التي كان لها دورٌ كبيرٌ في المساعدة، برغم الأعباء الجسيمة المُلقاة على عاتقها، وفي خطوة تتماشى مع ثقافة الدولة السورية، قامت ومنذ الساعات الأولى، بإرسال مساعدات إغاثيّة وطبيّة، للسوريين الذين يقطنون ضمن مناطق تسيطر عليها الفصائل المدعومة تركياً، كما وافقت على فتح معظم المعابر مع تركيا لتسهيل وصول المساعدات لهؤلاء.
كما يُحسب لجميع شرائح وأطياف المجتمع الأهلي السوري، أنهم لم ينتظروا تعليماتٍ أو أوامر، بل تأطّروا على شكل مجموعاتٍ، وتحرّكوا بشكلٍ سريعٍ وفاعل، كلٌّ في مجالٍ معين، من الإنقاذ، إلى جمع المساعدات وإيصالها وتوزيعها، إلى تأمين الإيواء المؤقت للمُتضررين، وغير ذلك من الأعمال الفعّالة، وما زالت هذه الأعمال مُستمرّة بنفس الوتيرة، وبنفس الاندفاع.
● عربياً
انقسم الزعماء العرب إلى عدّة أقسام، فمنهم من عقد العزم أن تحيا سورية، وهذا ليس بجديدٍ عليه فهذا قسمه منذ بداية الحرب على سورية، حيث لم يعبأ بتهديد الأميركي وأتباعه، وأردف قسمه بموقفه المشرّف في هذه الكارثة، ومنهم من أكمل كسر الطاعة لدولة تسمي نفسها شقيقة، وغرّد خارج سربها، ليعيد سورية إلى فضائها العربي، وتواجد مع سورية بعد ساعات قليلة من وقوع الزلزال، وبذلك أكّد صوابية مقولة الرئيس السوري بشار الأسد، بأنّه ليس هناك دولة كبيرة ودولة صغيرة، بل هناك دولة تقوم بدورٍ كبير، وأخرى دورها صغير، ومنهم من أعاد ترميم شرايين الأخوّة والمحبّة والمصير، التي حاول الأميركي قطعها عندما احتل وطنه، بل أكثر من ذلك حين قام بتشكيّل خليّة أزمةٍ في بلده، لمواكبة الوضع في سوريا، والإشراف على ترتيب عمل الجسر البري والبحري والجوي الذي مدّه معها، ومنهم من تجاوز الخطوط الأميركية الحمراء، ومنذ اللحظات الأولى أبدى تضامنه مع دمشق، سواء بالاتصال مع الرئيس السوري، أو بإرسال وفود باسمه، ومنهم من انتظر تقييم الموقف الأميركي، وخاصّة تجاه من لم يمتثل للرغبة الأميركية في عدم التواصل مع دمشق، وعدم تقديم المساعدة لها، وعندما لم يُظهر الأميركي موقفاً متشدّداً بشكلٍ علني، قام بإرسال بعض المساعدات الخجولة، كنوعٍ من رفع العتب، ومنهم من وكأنّه لم يسمع بدولة اسمها سورية، ولن نعطي هؤلاء شرف ذكر أسمائهم، مع احترامنا ومحبتنا لشعوبهم.
● دولياً
مواقف القادة الدوليين تنسحب بشكلٍ كبيرٍ على مواقف القادة العرب، فمنهم من أرسل بعض المساعدات، ومنهم من اكتفى بالمراقبة، مع نقطة فارقة لمنظمة الصحة العالمية التي تجاوز مديرها الرغبة الأميركية من خلال زيارته لسورية وطلبه إغاثة دولية، كذلك قدّمت بعض الدول المعونات التي تتناسب مع وضعها، ولو أن ذلك أتى عن طريق مطار بيروت، وهنا يُسجّل السوريون بعض العتب على الدول الصديقة والحليفة، التي لم تكن مساعدتها بحجم التمنّي والتوقعات.
أما الولايات المتحدة الأميركية التي تُقدّم نفسها زوراً كمدافعةٍ عن الإنسانية، وعن حقوق الإنسان، فإنها وبرغم وجود الفرصة المواتية، وبرغم هول المأساة، أعادت تقديم نفسها بشكلٍ صريحٍ وواضح، على أنّها أول من يضرب بعرض الحائط الإنسان وحقوقه، وما التجميد المؤقت لبعض المفاصل الصغيرة في قانون قيصر، إلا كذبة يراد منها ذرّ الرماد في العيون، وهنا يأتي تحرك بعض الدول لمساعدة سورية وذلك قبل تجميد قانون العقوبات، ليكشف أن قانون قيصر ما هو إلا شمّاعة تستخدمها الدول التي لا ترغب بالوقوف مع سورية، سواء في هذه الكارثة أو في الحرب الظالمة التي تُشن عليها.
بكلّ الأحوال، كلٌّ قدّم نفسه بحسب ثقافته الأخلاقية والإنسانية، ويبقى لسان حال السوريين يقول، برغم ظلم ذوي القربى، سنكون بجانب أيّ عربي يحتاجنا، وسنفرح بأيّ إنجازٍ عربي، حتى ولو كان فوز منتخب عربي بمباراة لكرة القدم، وسنبكي إثر أيّة خسارة عربية، أيضاً حتى ولو كانت خسارة هذا المنتخب أو ذاك.
*كاتب وباحث سياسي سوري





