الصورلوجيا (علم لابد منه)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. الحبيب ناصري

 

نعيش اليوم في عصر من الصعب فهم عولمته، دون فك صورها. هو عصر، لن يكون فيه الأمي، هو الشخص الذي لا يعرف القراءة والكتابة، بل هو من لا يفقه ولا يستطيع تفكيك الصورة( الأيقونة البصرية المتحركة والثابتة). قد يبدو هذا الكلام، متجاوزا بناء على ما هو سائد، لكنه حقيقة مخلخلة لنا جميعا. منظوماتنا التربوية العربية، لازالت لم تتصالح مع توظيف الصورة في بناء تعلماتها. هي في المجمل خارج ثقافة الصورة. مستهلكة لها، وغير منتجة لها، ومن منظور علمي وبحثي وثقافي وإبداعي.

تعلمنا في دروس فلسفية عديدة، أن العلم لا يصبح علما، إلا إذا حدد موضوعه ومناهجه ومفاهيمه، الخ. وفي اعتقادي المتواضع، فمجال الصورة، اليوم، يستدعي ويدعو إلى تأسيس علم خاص بها ومنعزل عن بقية العلوم الأخرى.

لن أكون من المغامرين، إذا قلت إننا اليوم في حاجة إلى تأسيس هذا العلم. هو علم لابد منه، لاسيما في زمن، الكل يوظف فيه صورته وصورة غيره وفي سياقات متعددة. الصورة وتحليلها، يستدعيان، التفكير في تأسيس علم يسمى علم الصورة، وبعيدا كل البعد عن مفهوم الصورة الأدبية وغيرها. وكنحت مفاهيمي له، من الممكن توظيف المفهومين التاليين :(الصورة +لوجيا)، وتصبح الصورلوجيا. هو علم يهتم بملاحظة وفهم وتحليل وتركيب وتأويل الصورة (الأيقونة البصرية الثابتة والمتحركة)، ووفق سياقات علمية وثقافية مستقلة، عن بقية المجالات المعرفية والأدبية، الخ، الموظفة للصورة كشكل أيقوني بصري، قطع العديد من المراحل.

علم، من الصعب أن نفهم عولمة هذا العالم، بمعزل عنه. موضوع، هذا العلم الصورة ولاشيء غير الصورة. ومنهجه التفكير فيها، بلغتها هي . مفاهيمه وحقلها الدلالي من الممكن، تركيبها، وفق العديد من زوايا النظر إليها، أي إلى الصورة.
مغامرة، لا تخلو من صعوبات، لكن واقع الحال، يؤكد أننا في حاجة إلى هذا العلم، لاسيما في عالم عربي، تصنع صورته، من لدن غرب تقدم في دراسة وتحليل الصورة وحقق العديد من التراكمات الكمية والنوعية.

عديدة هي الجهود التي قدمت في مجال الصورة، لاسيما وأنها اليوم، موضوع تتداخل فيه العديد من العلوم والمقاربات، لكن هذا لا ينفي أننا اليوم، مطالبين في جامعتنا ومراكز بحوثنا، التفكير في هذه الإمكانية العلمية حتى لا نبقى خارج شرط “علمنة” العديد من الجهود التي تنجز هنا وهناك.
الصورلوجيا، إذن، من الممكن أن يتخصص في الصورة البصرية، ولاشئ غيرها.

عالم اليوم، عالم الصورة. عالم يتم فيه “تعليب” الحياة وبيعها وفق من يحكم ويملك ويسيطر . لن يعود عالمنا، وفي اعتقادي، كما كان قبل كورونا. بل أعتقد أن المؤرخين، سيؤرخون لاحقا لهذا العالم، بجانب تحقيباتهم التاريخية المتعددة، بعالم ما قبل كورونا وما بعدها. وهو ما سيجعل من الصورة، ذلك المجال الخصب المساعد على الاستقلالية العلمية. علم عليه أن يستقل بذاته، ويطور مصطلحاته ومفاهيمه ومناهجه ورؤاه، الخ، حتى يتمكن من جعل الصورة، لاسيما في عالم ذكائي اصطناعي تكنولوجي مرعب ومنازع للإنسان في مهامه ووظائفه، مجالا للتفكير فيها.

يبدو أن عالم اليوم، تنتظره العديد من المفاجآت، كنتيجة لصراع الكبار على زعامته. الصورة، ستكون موظفة، ووفق ما تتيحه تكنولوجيا العصر، في كل حروب هذا العالم الاقتصادية والثقافية والرياضية والسياسية والدينية، الخ.
كل مواطن من مواطني هذا العالم، يضع في جيبه هاتفا محمولا ذكيا، قد يتحول معه إلى إعلامي و”مخرج” ومصور ومؤثر وصاحب قناة، الخ، وهو ما سيغير العديد من التمثلات والترسبات الفكرية التي هيمنت على عقولنا ولسنوات عديدة.

مهن جديدة تؤسس. ومهن قديمة قد تندثر. مداخيل مالية عديدة تدر بواسطة صور الهاتف المحمول. التكنولوجيا “دمقرطت” وسائل التصوير. الكل اليوم يصور، والكل اليوم ينشر. وحدها الصورة تجمع كل هذه التحولات المرعبة اليوم. لهذا ولغيره، وجب التفكير في جعلها علما مستقلا يتخصص في من يريد التخصص فيه.

كبسولات صورية( من الصورة) توزع وترسل في لحظة زمنية وجيزة وتجوب العالم في رمشة عين، ونحن لازلنا نناقش في مجتمعاتنا العربية، هل الصلاة في بيت فيه صورة يجوز او لا يجوز ؟. مع العلم أن كل سكان البيت يتقاسمون صورا عديدة وهم يصلون .
التفكير في الصورة وبالصورة وللصورة، محاور علمية وجب تطوير البحث فيها . فهل من آذان علمية تربوية وجامعية وبحثية صاغية ؟.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...