*الدكتور حسن مرهج
بعد إنقشاع غبار الإنتخابات الرئاسية التي جرت في تركيا، وإعادة انتخاب رجب طيب أردوغان، فإنه لا يمكن بناءً على مسار الانتخابات وموضوعيتها، توصيف المعارضة التركية على أنها باتت خارج الحسابات، وبصرف النظر عن خسارة مرشح المعارضة، كمال كليتشدار أوغلو، فإنه لا يمكن أيضاً، وصف المعارضة التركية بالضعيفة، إذ يبدو واضحاً، أن حالة الانقسام والصراع التي جسدتها الانتخابات التركية، جاءت ترجمتها واضحة لجهة عدد الأصوات، إذ حصل كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري، والذي أسسه مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال اتاتورك قبل 100 عام، في مقابل 27 مليون صوت لأردوغان الحاكم فقط منذ 20 عاماً رئيساً للوزراء ثم رئيساً للجمهورية.
بهذا المعنى، وربطاً بسياق الانتخابات، فإنه يمكن القول، بأن معالم صراع جديدة، تتوضح شيئاً فـ شيئاً، في عمق المشهد التركي، وبمعنى أدق، ثمة صراع عميق بين التوجهات العلمانية الديمقراطية الليبرالية، والتوجه القومي الديني المحافظ، وكذا التحديات الإستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية والأمنية أمام تركيا. كل ذلك أكبر من قدرة فريق واحد على مواجهة تلك التحديات بنجاح.
رجب طيب أردوغان، وعلى اعتباره رئيساً للجمهورية التركية، فإنه كـ حاكم سلطوي، وما يؤطر هذه الصفة لجهة الخطاب الذي يتبناه، حيال الأمة التركية وأعداؤها، وبأن خصومه السياسيين هم حلفاء لأعداءه. لكن اليوم من الصعب عليه، وخلال ولايته الرئاسية الأخيرة، أن يستمر في سياساته السابقة، المؤطرة بقمع الكُرد أولاً، وتهميش الأتراك العلويين ثانياً، خاصة أنهم يُشكلون 20 في المئة من السكان، إضافة إلى جملة تحديات، تبدأ بمواجهة إنهيار الليرة التركية، مروراً بمعالجة الأزمة الإقتصادية، وصولاً للوعود التي قدمها لمُريده خلال حملته الانتخابية.
وللمقاربة والتعمق أكثر في جزئيات المشهد التركي، وإبان زلزال تركيا 1999، قيل آنذاك بأن هذا الزلزال، قد جاء بـ أردوغان للسلطة، وذلك عبر انتقاده لتقصير المسؤولين، في التعامل مع آثار الزلزال ونتائجه، لكن ومع بداية السباق الإنتخابي، قيل أن الزلزال الذي في وقع في شباط الماضي، قد يكون سبباً في إخراج أردوغان من المشهد السياسي في تركيا، لكن ما حدث عبر نجاح أردوغان في الانتخابات الرئاسية، أكد أن قاعدته الشعبية لا تزال تنظر إلى أردوغان، على أنه الزعيم القوي، والسلطان الذي عاد وأمسك زمام الأمور، بعد محاولة الانقلاب ضده.
حقيقة الأمر، إن المتابع لسياسات أردوغان، يُدرك بأنه يتصرف كـ “السلاطين العثمانيين”، وثمة ما يؤكد تلك الرواية، فـ القصر الذي بناه أردوغان في أنقرة، والذي يضم ألف غرفة، هو بديل لـ قصر “دولما باتشيه”، والذي كانت تدار منه السلطنة العثمانية في إسطنبول، بل إن السلطان أو “الباب العالي” كان لديه رئيس وزراء يسمى “الصدر الأعظم”، أما أردوغان، فألغى منصب رئيس الوزراء ليلعب هو دور “الباب العالي” و”الصدر الأعظم” في ظل نظام رئاسي.
وضمن توصيفات أعمق وأدق، فإن أردوغان يسعى الى الإنقلاب على كل شيء، ويريد بذات الوقت إعادة التاريخ إلى الوراء، ويرى أردوغان ضمن ذلك، أن إعادة انتخابه تكاد تكون بمثابة التفويض من قبل ناخبيه، للإنقلاب وإنهاء أرث مصطفى كمال أتاتورك العلماني الليبرالي، والانقلاب أيضاً على النظام البرلماني الديمقراطي، الأمر الذي يعني، تلك السياسيات هي عثمانية جديدة لكن في ثياب أردوغان، مع تكريس النزعة القومية الدينية، وعمادها الإخوان المسلمين.
وربطاً بما سبق، فإن الواضح وبناءً على سياسات أردوغان التي قد توضع موضع التنفيذ، ثمة تحديات تبدأ بعضوية تركيا في الناتو، مروراً بعلاقة أردوغان مع بوتين، ووصولاً إلى تطبيق سياسية صفر مشاكل، والتي يبدو أنها ستتحول الى مئة بالمئة من الخلافات الإقليمية والدولية. من هنا بات واضحاً أن جوهر وسياق الإنتخابات التركية، لم تكن مؤطرة بالداخل التركي فحسب، بل تلك الإنتخابات كانت ملعباً للتدخلات بشتى مستوياتها، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لعب دوره في دعم أردوغان، أقله من خلال استثمارات روسيا في مجال الطاقة، والرئيس الأميركي جو بايدن، لم يكتم رغبته في رؤية أردوغان خارج السلطة، وإيران ودول عربية ساندته بالسياسة والودائع المالية لدعم الليرة التركية، و95 في المئة من وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع كانت مع أردوغان، وأكثرية الدول الأوروبية راهنت على سقوطه.
أردوغان الناظر الى أفق العثمانية بتسلطها، لا يُتوقع أنه من الممكن أن ينسى خصومه سواء في الداخل أو الخارج، فالرجل أمامه سنوات خمس، وولاية رئاسية أخيرة، أي لا قلق على انتخابات قادمة لن يكون في سباقها، وبالتالي أمامه سيناريوهات بأشكال وألوان متعددة، ولا شيء لديه ليخسره، لتبقى المعادلة الصعبة، ماثلة أمام الكثيرين، فـ الرئيس القوي قد لا تقوى على حمله أرض مرهقة إقتصادياً ومأزومة سياسياً، فضلاً عن حالة إجتماعية وثقافية غير مستقرة، لكن السلطان أردوغان، الذي عاد بعد محاولة الإنقلاب عليه، هو في الوقت نفسه أردوغان الواقعي، الذي يقول “تركيا الواقعة في قلب أفريقيا وآسيا وأوروبا لا تملك الرفاهية لإدارة ظهرها إلى الشرق أو الغرب، وسنواصل صوغ علاقاتنا مع جميع الدول بما يتماشى مع مصالح بلادنا وتطلعات شعبنا”. لكن رغم ذلك، تبقى رسم المعادلات على الورق شيء، والمسار العملي على الأرض شيء آخر.
* خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية ومدير شبكة فينيقيا للأبحاث والدراسات الإستراتيجية.





