الدولة السورية ومنطق الحوار السياسي مع خصومها.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم الدكتور حسن مرهج

خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية ومدير شبكة فينيقيا للأبحاث والدراسات الإستراتيجية.

 

 

من موقع المنتصر، تسير الدولة السورية في مدارات سياسية فاعلة ومؤثرة، للتوصل إلى حل سياسي يُنهي معاناة السوريين، وضمن ذلك، فقد بات واضحاً أن دمشق لم تكن بتلك القوة، لولا تسلحها بمعادلة الشعب والقائد والجيش، وضمناً الأولويات السيادية، فالمتابع ليوميات وتفاصيل الحرب على سوريا، يدرك بأن ما أُريد للدولة السورية، تحويلها إلى مسرحاً للإرهاب، وتقسيم الجغرافية، لإخراج الدولة السورية من موقعها الفاعل والمؤثر في خارطة الشرق الاوسط، لكن وبعد مُضي سنوات الحرب، يبدو أن دمشق بدأت وبحيوية سياسية، من استعادة فاعليتها وقدراتها الدبلوماسية، لهندسة وقائع إقليمية جديدة، عنوانها الأبرز سورية عنوان الشرق الأوسط الجديد.

تحركات سياسية يأتي مجملها في إطار عودة سورية إلى محيطها العربي، وكان لافتاً خلال سنوات الحرب التي شُنت على سوريا الموقع والدور الاقليمي، أن رأس القيادة السورية لطالما أكد أن سوريا لم ولن تخرج عن مضامين القومية العربية، وذلك إيماناً من الرئيس الأسد، بأن سوريا تكاد تكون العنوان العربي الوحيد، ضمن محيط عربي تتكالب عليه القوى الدولية، وضمن النظرة الإستراتيجية للدولة السورية، كان من الضروري إبقاء باب الحوار والتفاهمات موارباً، حتى مع ألد أعداء سوريا.

في هذا الإطار، فإن عودة دمشق الى الجامعة العربية، وقبل ذلك الزيارات الدبلوماسية العربية والخليجية الى دمشق، كل ذلك شكل عنواناً بارزاً لقدرة دمشق في تطويع الضغوط، واستثمارها سياسياً، بما يُحقق واقعاً سياسياً يُخرج السوريين من أزمتهم، لا سيما أن إيمان دمشق بالحوار، شكل منطلقاً لعودة قوية إلى المحيط العربي، فالحضور السوري البارز في القمة العربية في جدة، وكلمة الأسد ذات المضامين الإستراتيجية، كانت بمثابة تعزيز الحضور السوري، بما يخدم الملف السوري أولاً، والقضايا العربية ثانياً.

المسار السياسي والدبلوماسي الذي اعتمدته دمشق في تعاطيها مع الجميع، سمح لها وعلى الرغم من بشاعة الحرب وعناوينها، لكن سمحت لها بتشبيك علاقاتها مع الجميع، وابقاء حالة الحوار والتفاهمات عنواناً سورياً فرض على الجميع حتى أعدائها، احترامه والتعاطي الإيجابي معه، وهنا لا نتحدث عن دمشق ورغبتها في الحوار، من منطق الضعف السياسي أو تقديم التنازلات، بل منطق دمشق تُعززه القوة السياسية والعسكرية، والتفاف حلفاؤها حولها، بما يُعزز قدراتها في السياسة والدبلوماسية، وربطاً بذلك، فإن عودة أستانا بوصفها مساراً سياسياً لحل الأزمة السورية، يؤكد ما ذهبنا إليه لجهة قدرات دمشق السياسية والدبلوماسية.

والبارز في كل ما سبق، أن دمشق ورغم محاولات غالبية القوى الإقليمية والدولية، إسقاطها موقعاً ودوراً، إلا أن اختيار الحوار من قبل الدولة السورية، وضعها في موقع المنتصر، الأمر الذي ستكون له منعكسات إيجابية على الواقع السوري، وهذا أيضاً ما يُفسر اللقاءات السورية التركية بمستوياتها الأمنية والسياسة، وكذلك الحوار غير المباشر بين دمشق وواشنطن، كل ذلك يؤكد بأن دنشق تُعزز مقاربتها لانهاء الأزمة السورية، من منطلق الحوار، ومعادلة الند للند، ولا يخفى على أحد، أن رضوخ تركيا في الآونة الأخيرة وانسياقها نحو دمشق، لم يأتي لمتطلبات داخلية تركية فحسب، بل لإدراك تركيا أن لا مخرج من ازمتها الإقليمية، إلا بالحوار مع دمشق، وهذا ما ينطبق أيضاً على كل أعداء الدولة السورية.

ختاماً، ثمة معطيات ووقائع لا يمكن إنكارها في سياق إستراتيجية دمشق. هي معطيات ووقائع فرضت على أصدقائها وأعدائها إحترام سيادتها وعناوينها الإستراتيجية، وما حالة الحوار والتفاهمات والانفتاح العربي والخليجي والإقليمي على دمشق، إلا تحقيقاً لمفردات الإنتصار السوري.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...