*بيير لوي ريمون
لم يكن مثيرا للاستغراب أن عاد نظام الدفاع الجوي الأوروبي إلى الواجهة على خلفية الصراع الدائر في أوكرانيا، معيدا طرح مسألة أوسع تتعلق بما كان يسمى بمجموعة الدفاع الأوروبية، التي كانت قد تبلورت ملامحها في الخمسينيات.. لكن التي رفضها البرلمان الفرنسي بعيد إقرارها من أربع دول (ألمانيا الشرقية، بلجيكا، لوكسمبورغ، هولندا) على شكل معاهدة عام 1952.
يبدو في أيامنا وكأن السحر انقلب على الساحر، وأن الاستغراب الظاهر من تفعيل ألماني لنظام دفاع جوي يحمل مسمى أوروبيا «يوروبيان سكاي شيلد» – لكنه في الوقت ذاته، ذي الطبيعة غير الأوروبية الخالصة – أمر أثار بلبلة إعلامية امتدت حتى إلى الأوساط الدبلوماسية التي انقسمت بوضوح إلى شقين، شق لا يرى جدوى من تفسير الفتور الألماني من الدفع بالقاطرة الأوروبية على ضوء عقد التاريخ، وشق آخر لا يرى مخرجا غير تفسيره على ضوئها.
وإذا كان المندوب الفرنسي للتسلح إيمانويل شيفا، قد فصّل في جلسة استماع عقدت في نوفمبر 2022 مواطن التقصير في نظام سكاي شيلد بحجة تقديمه درجة أقل من الجودة التقنية مقارنة بالنظام الفرنسي – الإيطالي ذي المدى المتوسط والطويل «مامبا»، تتعدى القراءة هنا البعد التقني لتشمل البعد الدبلوماسي أيضا، عند المسؤول إلى مراجعة «اللجنة الأوروبية»، و»منظمة حلف شمال الأطلسي» أيضاً، ما يكشف النقاب من جهة، عن استبعاد فرنسي لأي مشروع أوروبي لا يكون أوروبيا خالصاً، لكن ما يفكك في الوقت نفسه خبايا التصور الفرنسي للمشاريع الأطلسية، التي تميل إلى اعتبار الحلف منظومة أوروبية خالصة وهو ليس صحيحا، حينها، يصبح السؤال المركزي هل يمكن تصور مشاريع أوروبية مبنية على صرح أوروبي أطلسي مشترك – وهو الاتجاه الذي تذهب به ألمانيا، أم على هوية المشاريع الأوروبية أن تبقى محصورة في مشاريع ذات طابع اتحادي صرف. ليست كل الأطراف على خط واحد من تأويل كلام الرئيس الفرنسي عند قوله: «إن الدفاع الجوي لقارتنا مسألة استراتيجية، تضامنية ومتعددة الفروع، ولا يمكن أن تتلخص في الترويج لصناعة وطنية أو صناعة دولة شريكة على حساب السيادة الوطنية». السيادة الوطنية، هنا جوهر المسألة. فلم يعد بالإمكان التعريف بالسيادة الوطنية، خاصة في مجال التصنيع، بالرجوع إلى تصور قائم زمن معاهدة منظومة الدفاع الأوروبية في الخمسينيات. لم تعد فرنسا ولم يعد الاتحاد الأوروبي يملكان رفاهية الاستغناء عن الكفاءة المشتركة. هذا ما فهمته إيطاليا التي لم تكتف بتطوير نظام «مامبا’، بل انخرطت في برنامج تطوير الطائرة المقاتلة الجديدة «تامبست” بالاشتراك مع المملكة المتحدة واليابان. بالتالي، حين يتحدث وزير الدفاع الفرنسي عن تعزيز «الخاصرة الشرقية للحلف الأطلسي»، هو محق تماما، لكن عندما يدور الحديث عن تفضيل الصناعة الوطنية يجب الانتباه إلى أن ما يقال عن ألمانيا يقال عن فرنسا أيضا وكذا عن باقي الدول: لا يمكن أن تكون منظومة دفاع أوروبية سوى نتيجة تضافر صناعات وطنية. من المعروف أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في علاقة تداخل دائم لا تذهب إلى الصدام، بل لا يمكنها أن تذهب كذلك. لقد كشف الصراع الدائر في أوكرانيا عن استمرار تباطؤ المشاريع الأوروبية المتكاملة – ويمكن هنا قراءة تريث ألمانيا من تسليم السلاح لأوكرانيا أولا، ثم تعليلها الاستقواء بالعتاد العسكري الأمريكي والإسرائيلي، لتبرير نفاد مخزونها بعد التسليم كعرض من أعراض سوء التنسيق الأوروبي، الذي ليس جديدا، مع العلم أن التنسيق أول خطوة نحو اكتساب الوزن الدبلوماسي والاقتصادي معا. طالما لا يتناغم منطق التنسيق والوحدة السياسية مع منطق المصالح سيبقى الاتحاد سرابا وليس قوة.
ومرة أخرى، الأيام بيننا.
*باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي





