الدكتور حسن مرهج
خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية ومدير شبكة فينيقيا للأبحاث والدراسات الإستراتيجية.
بالعودة قليلاً الى التاريخ، حيث في أواخر العهد العثماني، وبإيعاز من الباب العالي، تولّى الأكراد حكم قرية الغجر وكانوا أوّل من استبدّل اسم القرية من “طرنجه” إلى “الغجر”، وفي ذلك الوقت، كانت القرية تابعة لحوران قضاء القنيطرة السورية. وبعد الحرب العالمية الأولى، شُملت القرية في سيطرة الانتداب الفرنسي الواقع على كل من سوريا ولبنان (في منطقة بلاد الشام)، وكانت جميع سجلّاتها الرسمية في القنيطرة ودمشق. في العام 1932، خلال فترة الانتداب، خُيّر أهالي القرية بشأن المواطنة ما بين لُبنان وسوريا فاختاروا المواطنة السّوريّة حيث الوجود الأكبر للطائفة العلويّة للحفاظ على أمنهم وترابطهم مع باقي الطائفة، وبالفعل حصل أهلها على المواطنة عند استقلال سوريا في عيد الجلاء في 17 نيسان للعام 1942. وفي إحصائيات العام 1960، كانت “الغجر” ضمن إحصائيات سكان الدولة السورية.
ما سبق يؤكد بأن قرية الغجر سورية مئة في المئة، وبصرف النظر عن المراحل السابقة التي سيطرت بموجبها إسرائيل على القرية، لكن من جديد، تعود قرية الغجر إلى الواجهة من جديد، وربما إلى المواجهة، لا سيما أن جملة المواقف والبيانات الأخيرة، جاءت حين تقدمت الخارجية اللبنانية بشكوى إلى الأمم المتحدة ضد إسرائيل، بتهمة تكريس احتلالها الكامل واستكمال ضم الجزء “الشمالي اللبناني” لقرية الغجر، وطالبت بالانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية من غير شروط.
جاء ذلك بعد قيام الجيش الإسرائيلي مؤخراً، بإنشاء سياج شائك حول قرية الغجر الحدودية، وهو ما اعتبره لبنان خرقا خطيرا ومحاولة ضم القرية لإسرائيل، بحسب توصيف الخارجية اللبنانية.
في بيان الخارجية اللبنانية، ثمة ضبابية واضحة ومفارقات كثيرة. فأين كانت الخارجية اللبنانية منذ الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، والذي تلاه ترسيم للحدود تكرر بعد عام 2006 مع وضع القرار الدولي 1701 موضع التنفيذ. وبقيت كل التساؤلات جميعها من دون إجابات.
وربطاً بما سبق، لابد من توضيح بعض المعطيات المتعلقة بقرية الغجر، فالقرية هي قرية سورية احتلتها إسرائيل في عام 1967، وما يُسمّى بالجزء اللبناني منها، سببه التمدّد العمراني لسكان هذه القرية من التابعية السورية إلى الداخل اللبناني في ظل السيطرة الإسرائيلية، حتّى أصبح أكثر من نصف منازلها ضمن أراضي تتبع عقاريّاً لقرية الماري اللبنانية.
من هنا يُطرح التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء عدم مطالبة لبنان الجدية بانسحاب إسرائيلي فوري منها منذ عام 2000 وما بعد عام 2006، والتركيز على مزارع شبعا على الرغم من عدم اعتراف سوريا بلبنانيّتها ووجودها ضمن الأراضي السورية في كلّ الخرائط اللبنانية ما قبل عام 2000.
الصمت اللبناني في الفترات السابقة عن مسألة الغجر، أدت إلى تقديم أكثر من ذريعة لإسرائيل لجعلها حالة مماثلة لمزارع شبعا، خاصة أن قرية الغجر ومزارع شبعا هما منطقتان سوريتان احتلّتهما إسرائيل عام 1967، ثم تمددت قرية الغجر السوريّة المحتلة إلى الداخل اللبناني، وتمدد معها الاحتلال الإسرائيلي إلى جزء من لبنان، وبالمثل أُدخلت مزارع شبعا عنوة إلى الخرائط اللبنانية الجديدة بعد عام 2000 بقرار من دمشق لتحميل لبنان وزر احتلال إسرائيلي وتمديد صلاحية السلاح، باعتبار أنه ما زالت هناك أراض محتلة.
ما ذكره الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في خطابه الأخير، والمرتبط بالتطورات على الحدود السورية اللبنانية، يمكن أن نقف عنده كثيراً، وبذات التوقيت، فإن بيان الحزب الذي أصدره تعقيباً على الأحداث الأخيرة، أيضاً يمكن أن نقف عنده كثيراً، إذ يوصف الحزب ما قامت به إسرائيل بأنه عزل للقرية عن محيطها التاريخي داخل الأراضي اللبنانية، في حين أن القرية السورية المحتلة تمددت عنوة على حساب القرى اللبنانية المجاورة لها، ويختم الحزب البيان بـ”دعوة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا سيما الحكومة، كما يدعو الشعب اللبناني بكلّ قواه السياسية والأهلية، إلى العمل على تحرير هذا الجزء من الأراضي اللبنانية وإعادته للوطن.
لقد طالب القرار 1701 في البند 2 منه إسرائيل بسحب جميع قواتها من جنوب لبنان، وأكد في البند 3 بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على جميع الأراضي اللبنانية، وأن تمارس كامل سيادتها حتى لا تكون هناك أي أسلحة من دون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطتها، فلماذا لم تقدم حكومات لبنان المتعاقبة على معالجة موضوع تمدّد قرية الغجر المحتلّة إلى الداخل اللبناني، على الرغم من عدم وجود أي تحفّظ في شأنها؟ ولماذا امتثلت هذه الحكومات ومعها الحزب للرغبة الإسرائيلية من دون أي مواجهة دبلوماسية أو ميدانية؟ ولماذا لا تنتشر القوات المسلحة اللبنانية على الأراضي غير المأهولة التي تعتبرها إسرائيل من دون وجه حق جزءاً من قرية الغجر ريثما يتم إلزام إسرائيل بإعادة سكان الغجر إلى قريتهم المحتلّة؟
حقيقة الأمر، وبصرف النظر عن جُملة ما سبق، فقد أكد مختار قرية الغجر ورئيس مجلسها السابق، أبو حسن خطيب، في كتاب “قرية الغجر بين اطماع الدول و رحمة القدر”، تأليف أحمد خطيب وجمال خطيب ومحمود خطيب، والصادر عام 2017، والذي يحتوي على الكثير من الوثائق التاريخية والجغرافية ولا مجال لاستعراضها في هذا المقال، والتي تأكد بأن الغجر قرية سورية، اذ يقول أبو حسن خطيب، وفي جوابه لأحد الأسئلة التي تتعلق بأراضي القرية، أجاب قائلاً إن الأرض التي بنينا عليها بيوتنا هي أرض ملك “والملك لله وحده”، و أكثر أصحابها موجودون على ترابها، ولدينا الوثائق التي تُثبت ذلك، وليس لأحد من جيراننا اللبنانين و غير اللبنانين الحق فيها، ولو في شبر واحد، وأن جيراننا في قرية الماري اللبنانية يعرفون ذلك جيداً، وقد بينت جريدة السفير اللبنانية ذلك في مقال لها على لسان أهل الماري، وملخصه أن أهالي الغحر لم يعتدوا على الأراضي اللبنانية، وأن هذه الأرض التي نستعملها اليوم والمحاذية للشريط الحدودي، هي لسكان الغجر، وأننا لن نسمح لأي أحد بأخذها منا، لأنها أمانة بين أيدينا، وسوف نخافظ عليها حتى عودتها إلى أصحابها الشرعيين أهل الغجر، وذلك عندما يزول الإحتلال عن ربوعها.
ويضيف الشيخ الخطيب، أن حدود اراضينا السورية تبعد عن أخر بيت بُني من الجهة الشمالية، أكثر من مئة متر شمالاً، وهذه الحدود التي نعرفها تمتد من الحاصباني غرباً، إلى جبل الشيخ شرقاً جنوب قرية المجيدية اللبنانية.
ويوضح الشيخ الخطيب وبالأرقام، أن مساحة مسطح القرية بشكل عام هو حوالي 500 دونم، والحارة الجنوبية 100 دونم تقريباً، والحارة الشمالية 400 دونم تقريباً، وهي التي يدعون بأنها مُقامة على أراضي لبنانية، لأنها تقع شمال الخط الأزرق الوهمي.
ويتابع الشيخ الخطيب قائلاً، نحن لا نخاف على هذه الأرض فهي في أيدي أخواننا، وهي في أيدي أمينة، ونعلم حق العلم بأنها ستعود إلى أصحابها الشرعيين حالما يزول الإحتلال عن هذه القرية، ولهذه الأرض التي يستعملها اخواننا اللبنانين، قصة جديرة بالذكر والاهتمام، لأنها تعبر عن وحدة الهدف والمصير بين الجيران، كما وتنم عن المحبة والاخلاص الذي يتمتع به سكان القريتين الجارتين منذ مئات السنين.
ويسرد الشيخ الخطيب هذه القصة، والتي تؤكد اعتراف أهالي قرية الماري اللبنانية، بأن هذه الأراضي هي أراض تابعة للغجر، ويقول، أجتمع بعض المشايخ والوجهاء في قرية الغجر مع مشايخ ووجهاء من قرية ماري اللبنانية، على الشريط الحدودي بجانب بوابة فاطمة بالقرب من بلدة الملطة، وبحثوا في مصير أراضي قرية الغجر الموجودة داخل لبنان، والتي تبلغ مساحتها حوالي 600 دونم، والتي يستعملها جيراننا وأهلنا من قرية الماري اللبنانية، وأثناء الاجتماع عرض مشايخ الماري على مشايخ الغجر مبلغاً مالياً سنوياً كضمان للأرض، التي يستعملها فلاحو ماري، فما كان من مشايخ الغجر إلا أن قالوا لهم أنتم بحاجة إلى هذه الأموال أكثر منا، وخاصة أنكم تحت الإحتلال الذي نعاني منه سوياً، عندها عرض مشايخ الماري على مشايخ الغجر، أن يكون هذا المبلغ الرمزي بمثابة تبرع من أهالي الماري إلى جامع الغجر، فشكر مشايخ الغجر هذا المسعى، واجاوبهم بمنتهى المحبة والتقدير، أليس لديكم خلوة قالوا نعم، قالوا نحن نعتبر الخلوة والجامع بيوت الله، وهذا المبلغ نريد أن تضعوه في الخلوة كل سنة، وبذلك يكون حقنا قد وصلنا، ولكن نتمنى عليكم بأن تحافظوا على حدود هذه الأرض، وأن تستعملوها للزراعة الموسمية فقط، فما كان من أهالي قرية الماري اللبنانية، إلا الموافقة على مطالب مشايخ قرية الغجر.
ثمة معطيات غاية في الأهمية تناولها الكتاب سابق الذكر، حتى أن المصادر الشعبية في القرية، وكذلك الوثائق السورية، تؤكد بأنه في عام 1954، كانت الحدود بين سورية ولبنان، وكانت الأراضي بين الحدود مسجلة بملكية الطابو في سورية، كما ان المنطقة الشمالية التي يدعون بأنها أراض لبنانية، فقد بُني عليها بيوت لأهالي الغجر، من الحجارة البازلتية، وبما يقارب 25 منزل، وضمن الأراضي السورية، التي يُحددها شريط شائك موجود من قبل عام 1967، وهنا النقطة الأهم، بأن ترسيم الحدود كان لغاية نهر الوزاني ووصولاً لجسر الغجر، وكل هذه الأراضي الشاسعة، كان مُسجلة بالطابو السوري، وبأوراق ممهورة بالخاتم السوري، حسب كل ألأوراق التي يمتلكها أهالي الغجر، والتي تُثبت ملكيتهم لكل هذه الأراضي. وربطاً بذلك، وبكل هذه الوثائق والمعطيات، وشهادات الأهالي سواء في قرية الغجر، أو قرية الماري، نقول أنه إذا كانت الحكومة اللبنانية تريد إعطاء إسرائيل هدية قيّمة جداً، بمساحة 11500 دونم أراضي زراعية، لبناء مستوطنات واستغلال الأرض، وتهجير عائلات الغجر، وتشريدهم وقطع تواصلهم مع الأهالي في قرية الغجر، فـ ليستمروا في التعنت وتزوير الحقائق الجغرافية والتاريخية، فهم يعلمون تماماً، بأن هذه الأراضي سورية وتتبع لقرية الغجر وأهاليها، والأمم المتحدة لا يهمها سوى إرضاء إسرائيل، وبالتالي لابد من توضيح هذه الحقائق المؤكدة عبر وثائق تؤكد أن تلك الأراضي والمساحات الشاسعة، هي أراضي سورية مئة في المئة، والأهم أن هناك قرار من قبل أهالي قرية الغجر، ألا يُرفع في القسم الشمالي من القرية، الإ العلم الوطني السوري.
ختاماً قرية الغجر بواقعها الحالي وحسب الحقائق الجغرافية والتاريخية، هي قرية سورية مئة في المئة، وصمت دمشق عن تلك الوقائع المستجدة، يعود في أساسه الى تقدير الموقف من جوانبه كافة، ومسألة ترسيم الحدود السورية اللبنانية، لا تعدو عن كونها مسألة وقت، تؤطره التفاهمات السورية اللبنانية، وصمت دمشق عن تلك الوقائع لن يطول.





