ديار إبراهيم السنكَسري
العشق، هذه الكلمة التي تجرأ عليها الجميع ولجؤوا إليها، الكل يدعي نصيبه منها، والجل يخال أنه في مقدمة الركب الذي يسارع في هذا الطريق، وكثير منهم يظنون أنهم نالوا من الحب آخر منالاتها، وقد وصلوا إلى قممها الشاهقة التي لا يصل إليها إلا ذوو الصبر والجلَد.
ولكن لحسن الحظ، للعشق والحب أمارات، من ظهرت فيه حقَّ له أن يدعي ذلك، فلقد قال الشاعر:
“لا يعرِف الحُزن إلا كلُّ مَن عشَقا
وليس مَن قال إنِّي عاشق صدَقا
للعاشقين نُحُولٌ يُعرفون بهِ
مِن طُولِ ما حالفوا الأحزان والأرَقا”
لقد عانوا من أحزان تدمي قلوبهم بالنهار وأوجاع تؤرق لياليهم حتى أمسوا نحيلين ضعيفين يعرفون بسيماهم أنهم تجرعوا كأس الحب المرِّ إذ أحسوا أنه طيب لذيذ!
ولقد سما بعض المحبين فوق هذه المراتب، ربما لم تبد عليهم هذه الأمارات الظاهرية، ولكنهم بلغوا مراتب لم تبق في مخيلتهم أية مساحة لغير محبوبهم الذي غلب عشقه عليهم. فهذا عنترة بن شداد فارس الأيام الشِداد، يخاطب عبلة في مفاخرة بالحب الغالب على الفروسية:
“ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ نواهلٌ
منِّي وبيضُ الهندِ تقطُر من دَمي
فَوَدَدتُّ تقبيلَ السُّيُوفِ لأنَّها
لَمعَت كَبارِق ثَغركِ المُتبَسِّمِ!”
هذا كما قيل: ينتابه الحب!
في خضم المعركة، ورماح العدو عطشى دمه، وسيوفهم تقطر منه، حينها -وفوق كل ذلك- لا يفكر في هذه الأمور، إنها عارضة ليست جللة، مع أن يديه تحركان السيف والرمح وتحاربان العدو، لكنَّ خاطره ليس عنده، لا يدري كيف يحارب ويحرك يديه، إنهما تتحركان من تلقاء نفسيهما، فهو قد رجع بخياله إلى عبلة! وهو هناك يداعبها ويحدثها أحاديث الهائمين، إلى أن لمَع السيف في وجهه فرجَّعه إلى ساحة الحرب، لا ليحارب بجدية أكثر، بل ليذكِّره بعبلة تارة أخرى! فعندما لمع السيف تذكر بسمة عبلة وبياض ثغرها عند التبسم، ففار حنينه وانقلب سيف العدو إلى حبيب يود تقبيله.
من الطبيعي أن يبتعد خيال الإنسان في المجالس وعند الناس حين يضجر من أحاديثهم وأعمالهم، خصوصا إن كان يهوى شخصا يشغل خاطره في الزحمة والوحدة، ولكن أن تطير مخيلة المرء وتحلق في سماء محبوبه في هذه اللحظات العصيبة ليس بالأمر الهين، إنه تجرُّع الحب!
وإن رُمتَ قمة الحب ومنتهاه، فارجع لأيا بلأي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين كان يفرش عباءته لبعض صويحبات خديجة (رضي الله عنها)، ولمَّأ سألته عائشة (رضي الله عنها) عن إقباله الشديد على إحدى العجائز أجابها: “إنها كانَت تأتينا زمنَ خديجة”!
وحين استأذنت هالة بنت خويلد الدخول عليه تذكر صوت خديجة فاسترجع ذكريات الأيام الخوالي، فارتاع وأحب أن تكون صاحبةُ الصوت هالةَ أخت خديجة، فقال: “اللَّهم هالة بنت خويلد!”، إنه حب عذري سامي، يود أن يرى أخت المحبوبة لأنها تقربها، فكُلُّ ما يمُتُّ للمحبوب بصلة محبوب أيضا:
“أمُرُّ على الدِّيارِ ديارِ لَيلى
أٌقبِّلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدارَ
وما حُبُّ الدِّيار شغّفنَ قلبي
ولكن حُبُّ مَن سكَنَ الدِّيارا”
وحسبي من ذلك أن عام وفاة خديجة سمي بعام الحزن.
هذا هو وفاء الرجال الكبار، وهذا هو الحب الحقيقي والسمو بمعاني الود والعشق.
كان لمثل هؤلاء أن يدعوا الحب وأن يعلنوا ما بهم من ألم الجوى، هؤلاء وإن لم يصبهم نحول العاشقين الهائمين على وجوههم، إلا أن صدق وُدِّهم قد تجلى في أفعالهم وأقوالهم وعفتهم.
ليت شعري! لو رجع نبلاء طريق الحب إلى الحياة ورأوا المراهقين حدثاء الأسنان يدعون هذا الادعاء الكبير لغريزتهم الشهوانية وتعلقهم الطفولي، ما كانوا سيفعلونه حينها؟ لا إخال إلا أنهم كانوا سيميتون قهرا وشفقة على هذه الكلمة العظيمة: (الحب)!





