* الدكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
تتعدد أنواع الاختطاف للأفراد والجماعات؛ ومنها اختطاف الأطفال؛ واختطاف الديبلوماسيين؛ واختطاف النساء؛ واختطاف الأجانب من السياح؛ واختطاف العلماء والمفكرين… وغيرهم. لكن يبقى الهدف واحد؛ وهو أخذهم كرهائن مقابل الابتزاز السياسي وتبادل مقابل سجناء، ودفع الفديات المالية لفائدة الارهابيين، والعصابات المنظمة من قطاع الطرق والمرتزقة.
لَوْ قلت لكل شيء يوجد في تِيندوف؛ عُدْ إلى مكانك من حيث تَمَّ اختطافك بالقهر والإجبار والقوة؛ والله ما بقي هناك لا بشر؛ ولا طير؛ ولا شجر؛ ولا حتى الحجر. مخطط دنيء في خطف الناس من قبل عصابات البوليساريو لاحتجازهم بمخيمات تيندوف؛ بدأ سنة 1975؛ وشمل عدة عائلات ورُحَّل من: طاطا وزاكورة والرشيدية والداخلة وبئر انزران والسمارة وبوجدور وأوسرد…
عائلات تسمى (الفُقْرا) اختطفوا من فم الحصن وأقا ونواحي فم زكيد؛ أعرفهم جيدًا لازالو محتجزين هناك قهرًا.
لذلك نفهم لماذا يرفض قطاع الطرق من مرتزقة البوليساريو ومن يحميها ويدعمها؛ خوض الاستفتاء في الصحراء المغربية وإحصاء ساكنة تيندوف من الفقراء.
فهناك حقائق لا يعرفها إلا النذر القليل من الناس حول قضية الصحراء.
فعبر التاريخ الممتد على عهد السيبة حتى اندلاع الحرب سنة 1975؛ تعرض المثلث الذي يشمل مناطق: تيندوف والرشيدية وزاكورة وطاطا؛ خاصة فم الحصن وأقا وفم زگيد… وغيرها من مناطق الجنوب الشرقي؛ لهجمات وحرْكاتْ الغزاة وقطاع الطرق واللصوص؛ بحيث كلما استقووا؛ يهجمون على مناطق مجاورة ويخطفون النساء والأطفال وينهبون الممتلكات والسلع والبضائع ومختلف صور السطو والاختطاف والاحتجاز القسري و (تَمَخَّارْتْ) وتعني الشفرة وتشفارت؛ أي السرقة تحت التهديد بقوة السلاح؛ ومهاجمة القوافل التجارية (تجارة تبادل الملح والذهب والقماش وغيرها… من المواد والسلع والبضائع) المتوجهة نحو موريتانيا ومالي وشنكيط ونواكشوط والصومال والنيجر والسودان وغيرها من مناطق الساحل الصحراء والقرن الإفريقي؛ عبر الجنوب الشرقي للمملكة. (طريق الحرير) التي كان بعض اليهود يفرضون ضرائب ورسوم وإتاوات؛ مقابل الزطاطة أو تزطات؛ وتأمين رحلات وتنقل القوافل التجارية والأشخاص والسلع والبضائع. (Escorte).
وكانوا يتخذون من الرجال والنساء والأطفال؛ عبيدًا لرعي الغنم والإبل أو الاشتغال في الخيام والبيوت.
نسبة 95 ٪ من هؤلاء؛ هم من يشكل محتجزي مخيمات تيندوف الحالية؛ ويسمون ب (لفقرا) أو الفقراء؛ المستضعفين الذين وقعت عليهم الحكرة والظلم عبر التاريخ؛ أو ما يسمى بالقبائل والأسر والعائلات (المكسورة) أو المهزومة المغلوبة.
لهم ارتباطات عائلية وأسرية لحد الآن بالباقي من المتواجدين بالمناطق المذكورة: (طاطا، فم زكيد، أقا، فم الحصن، الرشيدية، زاكورة، لمحاميد الغزلان، قلعة السراغنة، الرحامنة، وغيرها من المناطق).
وبالتالي هم السكان الأصليين؛ المحتجزين بالقوة من طرف شرذمة تتاجر بمأساتهم.
هنا نفهم لماذا يرفضون إحصاء هؤلاء (لْفقْرا).
للاشارة؛ فظاهرة الرق والعبودية؛ معروفة بالجنوب؛ فموريتانيا معروفة بالعلوم الشرعية؛ ومع ذلك ظاهرة الرق لازالت حاضرة وسائدة بالمجتمع الموريتاني لحد الساعة وبشكل كبير.
سلمنا بأن التاريخ تعرض للحجب والحذف والتمرير والتضخيم والتصرف فيه بالزيادة والنقصان حسب تعاقب الأزمنة والأنظمة والأشخاص، ومستويات رفع المعنويات؛ زمان الانتكاسة؛ أو التبخيس والحط من الآخر زمان الرخاء والازدهار. وكل هذا يمر متخفيًا.
لكن الجغرافيا حينما تتعرض للقطع وللحجب والحذف والتصرف فيها بالزيادة والنقصان على الخرائط والميدان؛ فإن عنصر الحجر والشجر؛ يبقى شاهدًا على كل عمليات أجريت عليها بالنظر للامتداد الطبيعي للتربة والماء والغابة والجبال والوديان.
وباستحضار مقولة اللورد “ساليسبوري”؛ وهو أحد كبار الإمبريالية من القرن الماضي؛ حينما قال: «قمنا بتوزيع قارة إفريقيا على الخريطة وفرقنا الولد عن أخيه وعن أمه وعشيرته التي تأويه؛ وقسمنا الجبال والوديان؛ لم يواجهنا سوى مشكل بسيط؛ هو أنه أبدًا لم تطأ أرجل الرجل الأبيض تلك الأرض.»
من خلال هذا الكلام؛ يمكن فهم الإطار العام لمدى مشروعية قضية الصحراء المغربية.
من خلال النبش في الصحراء المغربية والإنسان والمجال والطبيعة والجغرافيا والتاريخ؛ لفهم مدى مشروعية وشرعية تواجد المغرب وفرض سيادته على أقاليمه الصحراوية الجنوبية الغربية، يجب استحضار التاريخ.
فهل الصحراء كانت أرضًا خلاء؟ من كان يحمي القوافل التجارية المتوجهة من وإلى السودان ونيجيريا وشنكيط ومالي وبلاد الصومال والسودان وغيرها من بلاد القرن الإفريقي والساحل؛ من قطاع الطرق في بلاد السيبة؟ ما سر تواجد قبور بني هلال بجماعة تاروما جنوب مدينة المرسى بالساقية الحمراء التي يبلغ طولها حوالي 6 أمتار؛ والتي تشبه نفس المدافن بجماعة فم زكيد؟
فعبر تاريخ المغرب، ظل السلطان المغربي هو المصدر الفعلي للقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكل إنتاج حقوقي وقضائي وزمني وديني وثقافي، وهو المتصرف الأعلى في الدولة وواضع ومحدد للسياسة العامة والعمومية والقطاعية؛ من خلال التعليمات والقرارات والتوجهات والرسائل والظهار في المملكة الشريفة.
نميز تاريخيًا، في التقسيم الترابي للمملكة قبل الحماية، بين مناطق الاستقرار الذي طبع بعض التجمعات التي يمكن أن نطلق عليها مراكز او مناطق أو جهات حضرية، والتي تشكل لحد الآن مظهرا عتيقا يضرب في القدم من حيث التكثيف الحضاري؛ حيث تواجد المخزن او الادارة كضابط لهذا النسق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي (كمراكش، وفاس، وإليغ، سوس وغيرها…) وعدم الاستقرار الذي طبع بعض المناطق والتجمعات التي قامت على الترحال، كما هو الشأن بالنسبة للبادية المغربية التي تشمل حيزا كبيرا من الاقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية. وعدم الاستقرار الذي يتنافى وحالة التمدن، تلك التي شكلت هدفا “لحركات” السلطان، وما أطلق عليه “ببلاد السيبة” والتي وإن لم تخضع لنظام المخزن، إلا أنها تعترف بالسلطة الروحية والدينية للسلطان ملك المغرب.
هذا، وبسبب نمط العيش وسلوك الساكنة التي خرجت حتى عهد قريب من حياة الترحال وكذا الجغرافيا الطبيعية؛ فإن طبيعة السكن يبقى لها ارتباط بالمجال البيئي والطبيعي للإنسان المغربي.
ومن العبارات المزعجة والمربكة للعقل التي يطلقها الأغبياء الجُدُد؛ الذين يدعون ويتبجحون أنهم خبراء في شؤون قضية الصحراء الغربية المغربية؛ حينما ينعتون ساكنة تيندوف بنعتين نقيضين:
1. الأول: يقولون هم مغاربة محتجزون.
2. والثاني: عبارة: هؤلاء الخونة المُغرر بهم.!
مع أنني:
– أعلم عِلْمَ الْيَقِين؛ -والْيَقِين هو تبديد للشك والحيرة في منطقة اشتباك ومساحة جدال فكري وعلمي؛ ومعناه استخدام أدوات الفكر والعقل للوصول إلى الْيَقِين-؛ أن الكثير من هؤلاء المغاربة المغلوب على أمرهم قد تم اختطافهم.
– وأعلم عَيْنَ الْيَقِين؛ ومعناه الملاحظة والمعاينة والمشاهدة العلمية: الكثير عن مغامرات هؤلاء المختطفين الغلبة والمحتجزين قسرًا؛ كيف وصلوا إلى أرض الوطن هروبًا من جحيم عصابات وقطاع الطرق البوليساريو.
– وأعلم حَقَّ الْيَقِين؛ ومعناه؛ بعد إخضاع الأفكار للتجربة العلمية والاختبار العلمي العملي؛ حينها نصل إلى حق اليقين: أنهم رُحَّل؛ أو ساكنة تعرضوا لهجومات غاشمة وغادرة على مناطق طاطا وزاكورة والرشيدية والداخلة وكلتة زمور والسمارة وبوجدور وأسا الزاك…!
ويزيدون على ذلك بمصطلحات الحشو والإطناب والتكرار والأسلوب المبتذل التي يجب شطبها ورفضها وعدم قبولها في خطاب الديبلوماسية المغربية..! وهي من أسوأ العبارات المقيتة والمستفزة للشعور الوطني؛ التي أطالت أمد قضية الصحراء المغربية؛ حين تجدهم يرددون بشكل نمطي عبارة: “من أجل إيجاد حل: عادلٍ ..! وشاملٍ ..! ودائمٍ..! متوافقٍ عليه..! متفاوضٍ عليه..! لقضية الصحراء!”
* والخلاصة:
كيف يكونون محتجزين تم اختطافهم وفي نفس الوقت يكونون خونة ومغرر بهم..!؟
أحيانًا نطلق الكلام على عوانه دون إخضاعه للتحليل المنطقي.
_____
* أنا الجنوبي؛ الدكتور عبدالله شنفار الكاتب والمفكر المغربي





