الإنفعالات العاطفيّة تسبحُ في بحور الحُبّ والجمال في القصيدة الشّعريّة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم الكاتب : أحمد حسن ضيف اللّه

 

 

ما دور العاطفة وأهميّتها في في بناء النّصوص الادبيّة عمومًا والقصيدة الشّعريّة خصوصًا وما الدّور الّذي تقوم به العاطفة في تحريك مشاعر القارىء والمُستمع على حدٍّ سواء ؟!
لا شكّ أنّ مِن أهمّ عناصر النصّ الأدبيّ تأثيرًا هي العاطفة الّتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنّواحي الوجدانيّة

الشّعور…الإحساس…المزاج وكُلّ هذه الحالات الإنفعالات الدّاخليّة مُحرّكُ بحثِها هي العاطفة الّتي تنتقل بالقارىء مِن الوعي إلى اللأّوعي “الشّعور الباطنيّ” والّذي بدوره يُحفّزُ المشاعر ويستثيرُها لِتصل إلى ما كانَ يشعُر به الكاتب حين كتبَ ونظمَ وأبدع .ولا بُدّ مِن معرفة أنّ الكاتب يشعرُ بحالةٍ مِن عدم الإستقرار حينما نتحدّث عن عاطِفته الجيّاشة ومشاعرهِ النّبيلة تُجاه نصّه الأدبيّ فتراه ينتقلُ مِن حالة شعوريّةٍ إلى دفقةٍ شعوريّةٍ أُخرى كالبحر مُتلاطم الامواج تارةً والهادىء تارةً أُخرى .

والجدير بالذّكرِ أنّ العاطفة لها الدّور الأكبرُ في تحريك المشاعر للقارىء والمُستمع فهي لا تعترفُ بالجمود والثّبات ولذلك فالفرح والحُزن والحُبّ والبُغض كُلها انفعالاتٌ مُتحرّكة لا تكادُ تستقرُّ على حال وهذا يُضيف جمالاً خلاّبًا وسحرًا جذّابًا إلى القصيدة ناهيكَ عن كلماتها المُترادف مِنها والمُتضادّ .فالشّاعر لديه قلبٌ رقيقٌ وإحساسٌ مُرهفٌ تتناغمُ دقّاتُ قلبه وعواطفه في نفس الوقت فترى موجات فؤادهِ المرسومةِ بيانيًّا كثيرة وأشكالها مُختلفة.وهنا لدينا عُنصرٌ مُهمٌّ ألا وهو الصّدقُ في المشاعر حين التّأليف والخيال الواسع عند النّظم

التّأمّل…والتّخيّلات…وانصهر المشاعر والعواطف والأفكار في بوتقةٍ واحدةٍ ليخرُج لنا الشّاعر بمنظومة القصيدة الّتي تُطربُ الآذان وتُلامسُ مسامع القلوب بما تحويه وتُخزّنه في كلماتها ومعانيها.
والكثير مِنّا يظُنّ أنّ الإنفعلات العاطفيّة لا تكون إلا في شعر الغزل وهذا كلامٌ غير صحيح غير أنّ شعر الغزل تبرُزُ فيه العاطفة بشكلٍ واضحٍ لانّها تصفُ الحُبّ والجمال بوصف المحبوبة على سبيل المثال ولنا في قول شاعر الفرسان والشعراء العرب عنترة بن شدّاد العبسيّ خير مثالٍ في وصف محبوبته وابنةُ عمّه عبلة بنت مالك حين قال:

سأُضمرُ وجدي في فؤادي وأكتُمُ وأسهرُ ليلي والعواذلُ نُوّمُ
وأطمعُ مِن دهري بما لا أنالهُ وألزمُ منه ذُلّ مَن لا يرحمُ
وأرجو التّداني مِنكِ يا ابنةَ مالكٍ ودونَ التّداني نارُ حربٍ تُضرَمُ
فمُنّي بِطيْفٍ مِن خيالكِ واسألي إذا عادَ عنّي كيفَ باتَ المُتيّمُ
وها هي عاطفتُه المُتوقّدةُ تبينُ لنا مِن خلال أبياته عن الحرب والفروسيّة حين يقول :
أنا في الحربِ العَوانِ غيرُ مجهولِ المكانِ
أينما نادى المُنادي في دُجى النّقْعِ يراني
وحُسامي مع قناتي لِفعالي شاهِدانِ
أنّني أطعنُ خصمي وهوَ يقطانُ الجَنانِ
أسقِهِ كأسَ المنايا وقِراها مِنهُ داتي

ولنا في شعرِ الفخرِ والمديحِ في شعرِ عنترة أيضًا أجملُ الأمثِلةِ على تجلّي العاطفة حين قال:

خُلقتُ مِن الحديد أشدُّ قلبًا وقد بليَ الحديدُ وما بليتُ
وفي الحربِ العوانِ ولدتُ طفلاً ومِن لبنِ المعامعِ قد سُقيتُ
وإنّي قد شربتُ دمَ الأعادي بأقحافِ الرّؤوسِ وما رُويتُ

ومن خلال ما ذكرنا يتضّحُ لنا أنّ العاطفة هي المُحرّكُ الأوّل للنّصّ الأدبيّ وظاهرةٌ فيه أو بِما يُعرفُ عن الكاتب والشّاعر ظاهريًّا كأسلوبه في الكِتابةِ كي يُعرف صدقهُ مِن كذِبه وجِدّهُ مِن هزله .وقد ذكر بعضُ الأُدباء أنواعًا مُختلفةً لِلعاطفةِ كالعاطفة الدّنيّة والإجتماعيّة والوجدانيّة وعاطفة الكُره والحُبّ وغيرها غير أنّي أرى أنّ العاطفة لها معنىً عامًّا ذكرته في مقالي هذا على أنّ العاطفة هي تلك النّواحي الوجدانيّة الّتي تنتابُ الكاتب عند كتابتهِ نصًّا أدبيًّا.

واسمحو لي أنْ أختِم مقالي هذا بأبياتٍ في مدحِ خير البريّة صلواتُ ربّي وسلامه عليه لأحد روّاد الأدب العربي وأحد أشهر شعراء الشّام الّذين ساهموا في النّهضة الشّعريّة الّتي شهدها العصر العبّاسي الثّاني
أحمد بن محمّد بن عليّ بن يحيى التغلبيّ أو ما يُعرف بابن الخيّاط حيث تظهر عاطفته في كلماته الرّقيقة ومعانيه النّبيلة لسيّد البشريّة مُحمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم وحُقّ لها ان تكون مِن أقوى العواطِفِ وأسماها :

كلُّ القلوبِ إلى الحبيبِ تميلُ ومعي بهذا شاهدٌ ودليلُ
أمّا الدّليل إذا ذكرتَ مُحمّدًا صارت دموعُ العاشقينَ تسيلُ
هذا رسول اللّه نبراس الهدى هذا لكلّ العالمين رسول
يا سيّد الكونين يا علم الهُدى هذا المُتيّم في حماكَ نزيلُ
صلّى عليك اللّه يا علمَ الهُدى ما حنّ مُشتاقٌ وسارَ دليلُ

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...