ذ.اسماعيل جمعة الريماوي
كاتب فلسطيني
رغم كل المحاولات المحمومة من جانب المنظومة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي وفي مقدمتها جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” للتغطية على فشل تلك المنظومة المتتالي خلال الأيام الأخيرة، وموجة العمليات النوعية للمقاومة نقلتها من موقع الدفاع إلى الهجوم، الأمر الذي زعزع ثقة الشارع الإسرائيلي بقدرة منظومته الأمنية على توفير “الشعور بالأمن”، في ظل حكومة يمينية متطرفة طالما دعت إلى ممارسة المزيد من العنف ضد الفلسطينيين.
لذلك، وضعت المنظومة العسكرية والأمنية للاحتلال الإسرائيلي استعادة الشعور بالأمن لدى المستوطن في إسرائيل هدفاً مركزياً لها في هذه المرحلة هو أن المؤسسة الأمنية، جيش الاحتلال الإسرائيلي والشاباك والشرطة الإسرائيلية، تسعى إلى توظيف كل الوسائل المتاحة لها لإعادة الأمن للشارع في إسرائيل والضفة الغربية المحتلة وإلى عودة الشعور بالأمن لدى الجمهور.
تجدر الإشارة إلى تعالي الأصوات الغاضبة في الشارع الإسرائيلي على كل من جهاز الشاباك والشرطة الإسرائيلية على ضوء إخفاقاتهما المتكررة.
يقولون في العمل الاستخباري إنه لا يوجد ولا يمكن أن يكون النجاح بنسبة 100% لكن، على الرغم من كل ذلك، يبرز سؤال مركزي لدى الإسرائيليين عن ماهية الأسباب الحقيقية التي تقف وراء فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة العمليات الفدائية، مع ما تملكه من إمكانات بشرية وتكنولوجية ومالية؟
الترهل والغرور
ويبذل الإعلام الإسرائيلي الموجَّه جهداً كبيراً من أجل زيادة ثقة الشارع الإسرائيلي بالمنظومة الأمنية، من خلال تقديم تبريرات لهذا الفشل، والتقليل من حجم الإخفاق في منع العمليات الفدائية في الآونة الأخيرة، لكن الإعلام الإسرائيلي، ومن خلفه المستوى الرسمي، لم يعترفا بأن هناك خللاً بنيوياً وأخطاءً داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، تقف وراء ذلك الفشل المتكرر، أهمها:
عدم قدرة المنظومة الأمنية الإسرائيلية على فهم العقلية الفلسطينية بالصورة السليمة، وخصوصاً مع تنامي الفوقية والعنصرية الصهيونية، في شقَّيها العلماني والديني، الأمر الذي يؤدي إلى عدم استطاعتها على استشراف السلوك الفلسطيني في المستقبل.
وقعت المنظومة الأمنية الإسرائيلية في فخ الترهل والغرور اللذين كانا سبباً في عدم مواكبة التطورات التي يتصف بها السلوك الفلسطيني بالصورة الصحيحة.
يأتي ذلك في أعقاب رابع عملية تنفذها المقاومة في الضفة الغربية، وتمثلت في دهس عدد من المستوطنين، بعد عملية دهس أخرى جنوب الضفة، وطعن في القدس وتفجير عبوة ناسفة في نابلس أسفرت عن إصابة عدد من الجنود.
جاءت هذه الضربات لتحمل رسالة واضحة أنه لا أمن للمحتل طالما يحتل الأرض ويعتدي على المقدسات، وأن هذا التصاعد في الفعل المقاوم في الضفة الغربية يؤكد أن المقاومة تزداد حضورا وتأثيرا، وأن الاحتلال سيبقى عاجزا عن إيقافها بالرغم من كل جرائمه.
كما أن عمليات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، في ضوء ما شهدته الضفة من زيادة وتيرة العمليات المسلحة ضد أهداف إسرائيلية، تؤكد فشل سياسة القبضة الأمنية التي تتبناها حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية بما تضمنته من عمليات توغل واقتحام للمدن والمخيمات.
ودائما ما يتغاضى الاحتلال أو يسعى لإخفاء جوهر المشكلة الحقيقي عن الجميع وهو وجود الاحتلال وأدواته والقمع بكل الوسائل لمن يسعى للخلاص منه، وأن حكومة كهذه لا تملك أي برنامج سياسي يسعى لإنهاء الاحتلال بل على العكس تسعى لترسيخه وتوسيع الاستيطان مما يدفع الفلسطينيين إلى فقدان الأمل في أي حل سياسي مقبل واللجوء إلى المقاومة بكل الوسائل.
فشل استخباراتي
هنا تكمن الخلاصة المهمة في كون الضفة الغربية اليوم تشكل أعقد مسائل الأمن الإسرائيلية، وأهمية هذا التعقيد أنه غير ناتج عن فشل استخباري، فالشاباك حاضر في كل قرية وحي تقريبا بحكم الاحتلال المتحكم في كل مفاصل الضفة منذ أكثر من 50 عاما كما أنه تعقيد لم ينشأ عن تراجع القدرة العسكرية للاحتلال، ولا رغبته في القتل المتواصل أصلا كل يوم بحق الفلسطينيين، ولكنه تعقيد يبرز من حقيقة تقررها الفيزياء مفادها أن الأكثر تصلبا هو الأكثر هشاشة.
الكاتب الإسرائيلي عوديد شالوم في صحيفة “يديعوت أحرنوت” كتب قبل أيام قائلا: “هكذا تكون صورة الوضع بعد أكثر من 56 سنة، منذ الانتصار الأكبر عام 1967 نجحت إسرائيل في أن تدق أوتادا عميقة على طول وعرض الضفة الغربية، إذ أقامت مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وأسكنت فيها أكثر من نصف مليون إسرائيلي، وتتحكم إسرائيل بالمجال الجوي والحدود البرية، وبمصادر المياه، والمجال الخليوي وشبكة الكهرباء. وشقت منظومة طرق منفصلة لليهود، وفي الغالب يتحرك الفلسطينيون بين القرى والبلدات في طرق قديمة بين المدن، حيث لا يوجد يهود. للشاباك سيطرة استخبارية عميقة في القرى والمدن، ويوظف الجيش قسما كبيرا من قواته البرية في الدفاع عن المحاور، والمفترقات، والمستوطنات، ومع كل هذا لم يتحقق الأمن، ولن يتحقق.





