المغرب أمام تحديات مكافحة الفساد: إطار مفاهيمي وتحليل تقييمي (1 من 4)

 

 

 

محمد براو
دكتور دولة في الحقوق
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
باحث مشارك بمركز أبحاث القانون وآفاق القانون بجامعة ليل (فرنسا)

 

 

ملحوظة من هيئة التحرير
تتشرف جريدة ايطاليا تلغراف بنشر هذه المقالة العلمية على مدى أريع حلقات، بالاشتراك مع المجلة الاكاديمية المغربية المحكمة “مجلة التدبير والرقابة على المال العام”، التي يديرها الدكتور محمد براو، والتي ستنشرها كاملة في عددها الثاني الذي سيصدر قريبا.

أولا: مقدمة

القاعدة المسلم بها -ولا سيما في مبحث السوسيولوجيا- أن فهم ظاهرة بوصفها ظاهرة اجتماعية خطيرة ومعقدة ومتشعبة الأبعاد كظاهرة الفساد، ومقاربة أسبابها وتجلياتها وتلاوينها وآثارها مقاربة علمية وواقعية وسليمة هو المدخل الضروري والشرط الأساس لرسم سياسة مندمجة وناجعة لمكافحتها، بل لعل مستوى الفهم وعمق الإدراك، يحددان المسافة التي سيتم قطعها في الطريق نحو حلحلة عقدتها، بالإضافة إلى تملك وسائل وقدرات التخطيط والتنفيذ وأدوات التقييم الدوري والمراجعة المنهجية للتقدم واستخلاص الدروس.

أسئلة البحث: إلى أي حد تعتبر مقولة إمكانية استئصال الفساد والقطع المبرم مع سياسة التعايش معه كما تدعي بعض الأدبيات السياسية الحزبية وبعض الشعارات الحماسية ذات النفس الشعبوي من هنا وهناك، مقولة مقبولة علميا وموضوعيا؟ وهل الإرادة السياسية هي المتغير الأوحد لتفسير تعثر سياسات مكافحة الفساد؟ وماهي الوسائل الناجعة الكفيلة بالحد من توسعه الأخطبوطي من جهة، وتحسين ترتيب المغرب المتأخر في التصنيفات الدولية ذات العلاقة من جهة أخرى؟
المنهجية ومصادر البيانات : يستند الإطار المنهجي لهذه الورقة، بالإضافة إلى مراجعة الأدبيات الاكاديمية والمهنية الدولية، وتحليل الوثائق والتقارير الوطنية من جهة، إلى الاستعانة بالملاحظة المباشرة وغير المباشرة للباحث بصفته خبيرا ممارسا في الميدان لسنوات طويلة من جهة أخرى.
فرضية البحث: مشكلة الفساد مشكلة معقدة ومتشعبة الأبعاد تستدعي نهج مقاربة العمل الجماعي المغطى بالإرادة السياسية المفعلة في الميدان والمسنودة بالدعم المجتمعي الوطني والدولي.

ثانيا: الإطار النظري والمفاهيمي

المقاربة الإدراكية للفساد ونظرية “الثقب الأسود”
من شبه المجمع عليه نظريا وفقهيا أن الفساد ظاهرة غير قابلة للتحديد المادي الملموس لماهيتها وضبط هويتها، ولذلك يشبهها أهل الذكر في مادة مكافحة الفساد ب”الثقب الأسود”، كلما اقتربت منه لتحاول الإمساك به تملص واستعصى عن عملية الإمساك تلك. وعلى هذا الأساس، استعاض الدارسون والممارسون على حد سواء عن تحديد ماهيته وضبط هويته ومحاولة قياسه قياسا ماديا، بتقييم مدركاته وقياس تصوراته القبلية (الباء مسكونة)، أي بعبارة أخرى دراسة واستقصاء البيئة الحاضنة له والتي من المرجح أن يكون الفساد مستوطنا فيها، بناء على طريقة البرهان بالمخالفة، ومفادها أنه كلما تواجدت الشروط والاستحقاقات المضادة للفساد، كانت مدركاته قليلة أو قابلة للسيطرة عليها، وكلما انتفت تلك الشروط والاستحقاقات أو كانت فارغة المحتوى تنامت مدركات الفساد وترجحت الظنون بشيوعه وانتشاره. وتتمثل تلك الشروط في: تداول السلطة وحكم القانون والشفافية والمساءلة وسلامة النظام الاقتصادي وعدالته وعمومية الخدمات الاجتماعية وإنصافها، وإعلاء ثقافة تقديم الحساب على كافة المستويات وفي مختلف الميادين، أي -بجملة مختصرة- في توافر شروط حكامة ديموقراطية تنموية ذات رشد معقول في ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية آمنة وصحية ومستقرة.

تأسيسا على ما سبق، يمكننا بكل ثقة الزعم أن فرص الفساد لا تكون مضمونة بالضرورة في ظل مؤسسات قوية راسخة وآليات داعمة للشفافية والمساءلة، وبالمقابل يستقر الفساد ويطيب له المقام في أحضان مؤسسات ضعيفة طاردة لقيم وآليات الشفافية والمساءلة وحكم القانون، ومحفزة على شيوع القيم والآليات المناقضة، التي تكون في ظلها الأنشطة الفاسدة والإفسادية مدرة للربح المادي والمكانة الاجتماعية، وغير جالبة للمخاطر لا على أصحابها المباشرين ولا على محركيها من وراء ستار.

وتعزز الملاحظة التجريبية والمعاينة المباشرة، المسلمات النظرية أعلاه، في كون البيئة المحفزة على الفساد تخلق آثارا وخيمة يمكن معاينتها بيسر وبشكل ملموس ومحسوس، فهي تعوق مشاريع التنمية، وتساهم في إطالة أمد الارتهان لفخ التخلف وحلقاته الجهنمية من خلال خدمات رديئة، ومخرجات اقتصادية غير فعالة وغير ناجعة وغير منتجة، كما تغذي الدائرة المغلقة للدين العام والفقر الواسع النطاق ، بحيث تصبح الديون في وصفها الحدي «ديونا إجرامية» معروف سلفا أنها لن تذهب إلى مسالكها المشروعة بل سيتم الاستيلاء عليها ونقل أعبائها إلى أجيال مقبلة بريئة. والنتيجة هي ما نعرفه ونشهده من توتر سياسي معلن وغير معلن( عدم الاستقرار الكامن) وتوتر اجتماعي متصاعد، وترتيب مخجل في سلم التنمية البشرية، هذا إذا لم يتطور الأمر إلى نزاعات دموية، فخراب للعمران على قول ابن خلدون.

المقاربة التكاملية لمفهوم الفساد تستند إلى المدرستين السلوكية والمؤسساتية
يمكن مقاربة مفهوم الفساد مقاربة نظرية مندمجة من خلال زاويتين مدرسيتين متكاملتين وهما زاوية المدرسة السلوكية وزاوية المدرسة المؤسساتية: فمن منظور المقاربة السلوكية تبرز التعاريف الشائعة لدى جمهرة من الباحثين والتي تبناها البنك الدولي ومؤداها أن الفساد سلوك إجرامي(فردي) لأشخاص يستغلون الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب خاصة، ووفقا لنظرية الرؤساء والأعوان (كيزر، 1999) يكون أولئك الأشخاص مؤتمنين على القيام بأفعال لحساب رؤسائهم ، وتبعا للمنظور السلوكي هناك حالة تواطؤ بين الرؤساء والأعوان، بحيث يكون الحكام الفاسدون رؤساء و القائمون على الهيئات والإدارات والمؤسسات العمومية أعوانا، وهكذا يتم إفساد الحياة الاقتصادية والسياسية والإدارية والمالية من خلال التواطؤ على إفساد القواعد والمؤسسات والآليات المفترض فيها مكافحة الفساد وهي القواعد الانتخابية والآليات الديمقراطية ومؤسسات وآليات المحاسبة والمساءلة ، ومنظومة العدالة؛ كما يتم الضرب صفحا على حق وحرية وعمومية الولوج إلى المعلومة، على اعتبار أن الشفافية قيمة مناقضة للطغيان والتسلط والتحكم والاحتكار والارتجال، وجالبة للمخاطر على الفساد والفاسدين. وبالعكس يعشش الفساد وينمو في ظل القيم المناقضة وهي الظلام بدل النور والإبهام بدل الوضوح والانغلاق بدل الانفتاح… و لذلك مثلا، مجرد التعهد السياسي بقول الحقيقة… هو بمثابة دق لجرس إنذار خطير في اتجاه لوبي الفساد والتزام الشفافية قولا وفعلا هو الطريق المستقيم للوقوف فوق السكة الصحيحة لمكافحة الفساد.

وإذا كانت المقاربة السلوكية تركز على البعد الفردي السلوكي فإن المقاربة المؤسساتية تنظر إلى الفساد كمؤسسة قائمة الذات وإن أتاها فرد بشكل مستقل أو متواطئ، ها هنا يظهر الفساد من خلال ضوء مختلف، فالمؤسسة يمكن تعريفها ب”قواعد اللعبة” بتعبير (نورث: 1990) ، وهذا التعريف واسع بالقدر الذي يساعد على ضم كل من المؤسسات الرسمية كالتعاقدات القانونية والدساتير المكتوبة من جهة وكذا المؤسسات غير الرسمية كالتعاقدات والتفاهمات الضمنية والأعراف الاجتماعية ومواثيق السلوك (نايت: 1992) من جهة ثانية.

من ناحية أخرى، يمكن تفسير أسباب الفساد حسب المستوى الهيكلي: أي من خلال معادلة تجعل الفساد يقوم على الاحتكار بالإضافة إلى سلطة التقدير في غياب المساءلة، ويشير الاحتكار إلى “توافر الإيجارات” ووجود موارد طبيعية شحيحة تسمح للموظفين العموميين ممارسة السلطة التقديرية وطلب المزايا الشخصية. بحيث توفر قوة الاحتكار فرصة للفساد. ويتم فتح هذه الفرصة من خلال وجود صلاحيات تقديرية واسعة. ومن هنا، أوصى (غيليتكارد،1996) أنه من أجل السيطرة على الفساد، من المهم الحد من الاحتكار والحد من تقدير المسؤولين وزيادة المساءلة أي أننا بصدد مقاربة مؤسساتية واضحة، تلخصها المعادلة الرياضية التالية:

معادلة غيليتكارد

الفساد = قوة الاحتكار+ السلطة التقديرية – المساءلة

فيما تشكل العناصر الثلاثة التالية: الحافز والضغط والتبرير أو ما يسمى بمثلث كريسي للغش، إطارا تفسيريا لأسباب اتخاذ قرار الفساد أو الغش كقرار فردي ومن منظور سلوكي واضح.

رسم بياني يوضح المضامين والتفاعلات بين المصطلحات الثلاث

المصدر:
http://forensic.ideo-audit.fr/index.php/la-fraude-en-entreprise-de-quoi-parle-ton/le-concept-du-triangle-de-la-fraude/

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...