ذ.غسان الاستانبولي
كاتب وباحث سياسي سوري
يُصرّ الدبلوماسيون الأميركيون ومن يستطيعون سوقهم خلفهم من أتراك وقطريين وغيرهما، أن يُذكرونا دائماً بالمثل الصيني الذي يقول: “عندما يرتفع نباح الكلاب من حولك فاعلم أنك أوجعتها”، وبالإسقاط، حين يرتفع صراخ الأميركي وأدواته بانتقاد زيارة رئيس دولةٍ لدولةٍ أخرى، فاعلم أن هذه الزيارة أوجعتهم جداً.
نعم لقد علا وبشكلٍ مُلفتٍ صراخ الأميركي وأدواته، حين قام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة لبكين مُلبياً دعوتها الرسمية، وذلك بعد أيامٍ قليلةٍ من قمّة مجموعة العشرين التي انعقدت في الهند منذ أيام، مُعتبرين أن هذه الزيارة، وما ستنتجه، هي ردٌّ صينيٌ على مُخرجات تلك القمّة، مع أنهم يعرفون أن هذه الزيارة لا تعني أن سورية هي ورقةٌ تستعملها الصين في هذا الوقت بالذات، بل تعني أن سورية ما زالت لاعبٌ فعّالاً على الساحة الدولية، وما زال موقعها الجيوسياسي يؤهلها لتكون بموقف أكثر فاعلية، كما يعني أن هذا الموقع هو الهدف الأول للحرب التي شُنّت عليها منذ سنوات، وأنها نجحت في دفاعها عن هذا الموقع.
بكلّ الأحوال، لنترك الكلاب تنبح ونعود إلى قاطرتنا التي تسير، حيث تُجمع التقارير الصادرة من بكين على نجاح هذه الزيارة، كما تُجمع على أن ما تمّ توقيعه من اتفاقيات سيجعل الدور الصيني في المسألة السورية دوراً قوياً وفاعلاً، ولا نُبالغ لو قلنا بأنّه قد يتجاوز الدورين الروسي والإيراني، الذين كان أثرهما كبيراً في صمود الدولة السورية، هذا في الجانب العسكري، أمّا في الجانب الاقتصادي، فللأسف تراجع هذا الأثر أمام تقديم كلٍّ منهما مصالحها الخاصّة على حساب المصالح السورية، وبالتالي على حساب معيشة المواطن السوري.
من المعروف أن التواصل بين سورية والصين لم ينقطع منذ عشرات السنين، ولكنّه تنشّط أكثر منذ زيارة وزير الخارجية الصيني لدمشق، منتصف شهر تموز/يوليو عام 2021، تلك الزيارة، وما رافقها من تفاهمات، كانت بمثابة الصافرة التي أعلنت البدء بتطوير علاقة الدولتين مع بعضهما، وقد أثمرت عن زيارة الأسد الحالية، كما أثمرت عن هذا الاستقبال المُميز والعالي المستوى، ومن الواضح أن الزيارة ستحمل معها الكثير من المشاريع الاقتصادية التي ستساهم في دعم الاقتصاد السوري، وهذا ما توحي به طبيعة الوفد المرافق للرئيس الأسد، وطبيعة الاتفاقيات التي تمّ توقيعها حتى الآن.
ما من شكٍّ أن الزيارة كانت مُخطّطة منذ أشهر، ولكن توقيتها أتى وكأنّه ردٌّ صينيٌ على الخطّة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال قمة مجموعة العشرين الماضية، تلك الخطّة التي يعمل واضعوها على بناء ممرٍ للسكك الحديدية، كذلك على ربط موانئ ومدّ خطوطٍ وأنابيبٍ لنقل الكهرباء والهيدروجين، بالإضافة إلى كابلات لنقل البيانات، يربط بين “إسرائيل” والهند والسعودية والإمارات والأردن والاتحاد الأوروبي، صحيحٌ أنّ الهدف المُعلن لهذه الخطّة، والذي أتى علىّ لسان بايدن، هو زيادة التجارة والتعاون، أمّا الهدف المعروف، وغير المعلن، فهو قطع الطريق على المشروع الصيني “الحزام والطريق”، والذي تهدف الصين من خلاله للوصول إلى أسواقٍ جديدةٍ للمنتجات الصينية، كما تهدف إلى تسهيل عمليات التبادل التجاري مع مختلف دول العالم، ولكي يُبصر هذا المشروع النور لا بُدّ أن ينال قبول دول الشرق الأوسط ومنهم سورية، باعتبار أنّ هذه المنطقة تقع على مُفترق طرق ثلاث قارات هي أوروبا وأفريقيا وآسيا، وهذه القارات مُرتبطة بالمشروع الصيني حسب ما يُخطّط، كما أن الشرق الأوسط هو الأقرب إلى أهمّ أربعة معابرٍ بحريةٍ عالميةٍ مُهمّة، هي البوسفور والدردنيل وباب المندب ومضيق هرمز.
أمّا أهميّة العلاقات السورية الصينية بالنسبة للجانب السوري، فتكمن في عدّة أمورٍ، تؤدي بمجملها إلى تعزيز القوّة بشتى أنواعها، وخاصّة القوّة الاقتصادية، ولاسيما في ظروف الحرب والعقوبات المفروضة على كلّ مفاصل الدولة، وقد يكون الرهان السوري على الصين بدبلوماسيتها التشاركية صائبا،ً وذلك بعد أن فقد مُعظم الشعب السوري الثقة بدبلوماسية دول التحالفات وبالصداقات، التي أثبتت أنّها أعجز من أن يُراهن عليها الاقتصاد السوري، وذلك بسبب تفضيل المصالح، وبسبب خشية الشركات الوطنية، والشركات الخاصّة التابعة لتلك الدول من الغضب الأميركي، ولذلك انتقل الرهان السوري من منهج التحالفات إلى منهج الشراكات الدولية، التي تعتمدها الصين بشكلٍ واسعٍ وفعّال، ومُبرّر هذا الإنتقال، هو أن منهج التحالف يبقى به الجانب الأقوى أكثر خوفاً من التورّط في صراعات الجانب الأضعف، بينما يخشى الجانب الأضعف من وقوعه تحت قسوة شروط الجانب الأقوى وابتزازه، أو يخشى أن يتمّ التخلي عنه عند أول منعطف، أمّا منهج الشراكات فيُبدّد هذه المخاوف، باعتبار أن الشريكين يتفقان على التعاون في مجالاتٍ مُحددة، تحمل وتضمن لهما مصالحاً مُشتركة، هذا في مجال التعاون بين شريكين تجمعها شراكةً نسبيةً تقتصر على بعض المفاصل والمصالح، فكيف الحال حين يُعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن “الصين وسورية تتجهان لإعلان إقامة علاقاتٍ لشراكةٍ استراتيجية”.
بالعموم، نتوقع وننتظر، أن تُعوّض الجرأة الصينية خوف بقيّة الدول من الغضب الأميركي، كما نتوقع وننتظر، أن نرى طلائع الخير سالكةً طريق الحرير ووجهتها دمشق.





