المغرب أمام تحديات مكافحة الفساد: إطار مفاهيمي وتحليل تقييمي (2 من 4)

 

 

 

محمد براو

دكتور دولة في الحقوق
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
باحث مشارك بمركز أبحاث القانون وآفاق القانون بجامعة ليل (فرنسا)

 

 

ملحوظة من هيئة التحرير
تتشرف جريدة إيطاليا تلغراف بنشر هذه المقالة العلمية على مدى أربع حلقات، بالاشتراك مع المجلة الأكاديمية المغربية المحكمة “مجلة التدبير والرقابة على المال العام”، التي يديرها الخبير الدولي والباحث الدكتور محمد براو، والتي ستنشرها كاملة في عددها الثاني الذي سيصدر خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

كيفيات اشتغال الفساد

تشتغل ظاهرة الفساد في أحضان الحقل غير الرسمي من خلال التبادلات المتوازية داخل الهرمية الإدارية، وعلى ضوء حجم ونطاق وأطراف هذه التبادلات يمكن التمييز بين “الفساد الصغير” و”الفساد الكبير”، فالأول يعكس التبادلات الجارية يوميا بين الموظفين الصغار والمواطنين، والثاني يعكس الصفقات والتبادلات غير المرئية والتي يعقدها كبار المسؤولين والموظفين وما تدره من حلاوات واقتطاعات غير مشروعة وتعويضات غير مباشرة، وفي المستوى الثاني الأخطر والذي يطلق عليه كذلك الفساد السياسي، يجري إفساد المؤسسات السياسية وممارسة تأثير غير مشروع على مخرجاتها كالتلاعب في الانتخابات والتلاعب بالنظام القضائي والتلاعب بالأخبار الصادرة عن المؤسسات الإعلامية… ثم هناك الفساد المنهجي أو “الممأسس”، والذي يتحرك طولا وعرضا يسارا ويمينا وتذوب فيه الفروق وتتقاطع الاتجاهات بين الفساد الصغير والفساد الكبير.

وأما ماكينة الفساد فتتحرك تبعا لنمطين أو اتجاهين:
النمط أو الاتجاه الأول: من أعلى إلى أسفل حيث يشتغل الفساد كسياسة موضوعة من قبل السلطة السياسية العليا من أجل مكافأة التحالفات المؤيدة لها بواسطة توزيع خيرات خاصة (مسكيتا: 2003) لكن على الرغم من أن هذا النمط التفسيري يشرح لنا الحوافز الكامنة وراء تشجيع الزعماء السياسيين للفساد بوصفهم “رؤساء غير متطوعين” (مسكيتا نفس المرجع) فإنها تفضي إلى خلاصة لا تخلو من السقوط في السذاجة من حيث إنها تجعل من أولئك الرؤساء ذوي قدرة خارقة، بإمكانهم السيطرة بمفردهم على دورة الفساد وكافة مدخلاتها ومخرجاتها ، وهو اعتقاد خاطئ، لأن المنطقة الفارغة في هذا التحليل هي السياسات التطبيقية الني من المفترض أن أولئك الزعماء قادرون على فرضها وإنفاذها لوحدهم؟ وهذا أمر مستحيل عمليا.
النمط أو الاتجاه الثاني: من أسفل إلى أعلى تكون الرؤية أكثر واقعية ويتم الاعتراف بغموض وتعقيد الظاهرة، وفق هذا النموذج (كادو: 1987) يغطي المسؤولون الكبار فساد المسؤولين والموظفين المتوسطين والصغار في مقابل نصيب من الرشوة يتم جمعها وتوزيعها في المستويات الدنيا من التسلسل الهرمي ، أو في الحالة التي يكون فيها شخص ما مكلفا أو ساهرا على تطبيق القانون مفترضا فيه متابعة ومعاقبة أفعال الفساد قابلا لممارسة الفساد ، ولكنه في نفس الوقت يكون تابعا إلى شخص آخر أعلى ساهر على تطبيق القانون في الهرمية التنظيمية وقابل لممارسة الفساد هو كذلك… وهلم جرا.

محددات الفساد أو نظرية “الضريبة التنازلية”

أما محددات الفساد فهي تتفاوت بحسب مستويات التحديث الاجتماعي الاقتصادي في الدولة والمجتمع بحيث يبدو من وجهة نظر تجريبية أن معدلات الفساد تكون مرتفعة في البلدان ذات الدخل المنخفض، كما أنه يكون ملموسا لدى الفقراء أكثر من الأغنياء، وهكذا ووفقا لنظرية «الضريبة التنازلية» يمكننا تقبل فكرة أن المجتمع الفاسد هو مجتمع اللامساواة واللاتكافؤ أو بتعبير أدق اللامساواة غير العادلة (قارن بالمخالفة مع اللامساواة التعويضية)، فالمداخيل والموارد يتم اقتناصها بضربة حظ أو نتيجة للعلاقات بدل استحقاقها عن طريق بذل الجهد وإظهار القدرة والجدارة.
وإذا كانت اللامساواة المجحفة تحرك ضغوط إعادة توزيع الدخل من خلال المطالبة بإصلاح النظام الضريبي من المتوقع بداهة أن يعمد الأثرياء الفاسدون إلى التحايل والتلاعب عبر اللجوء إلى الفساد والرشوة بما فيها التأثيرعلى البرلمان والهيئات التشريعية الأخرى من أجل تخفيف العبء الضريبي المشروع أو التهرب تماما من أداء الواجب الضريبي، هذا إذا لم تسعفهم الآليات السلطوية في تشريع الفساد وهو ما يطلق عليه “الفساد القانوني” أو “الشرعي” legal corruption.

وأخيرا كلما كان الفساد آمنا من المغارم جالبا للمغانم ، تكالبت النخبة والكفاءات نحو ممارسة الأنشطة الريعية بمفهومها السلبي ، وحدثت عملية ترحال اقتصادي انتهازي (قياسا على الترحال السياسي الانتهازي) من القطاع المنتج نحو القطاع غير المنتج، وعندما يصبح الفساد ثقافة معممة مجزية الأرباح ومأمونة من المخاطر ، يصبح النزهاء الشرفاء مهما تسلقوا من مراتب في سلم الكفاءة والجدارة معزولين ومهمشين، أو طالبي لجوء مهني إلى الخارج…

يستخلص مما سبق الطبيعة النسقية للفساد ولمعظم مشكلاته، وإلى أي حد يشتغل وفق شبكة من التبادلات الصاعدة والنازلة ما زالت بحاجة إلى المزيد من البحث والتقصي على مستوى القوى التي تقف خلف عمليات الربط والتعالق بين أطراف تلك التبادلات. ويستخلص كذلك أن المقاربة المعرفية والعملية للفساد محكوم عليها مراعاة المعيارين السلوكي (الفرد) والمؤسساتي (قواعد اللعبة).

ثالثا: النتائج والمناقشة
المعركة المغربية مع الفساد والدروس المستفادة
جاء في بلاغ للديوان الملكي حسب قصاصة لوكالة المغرب العربي للأنباء بتاريخ 24 أكتوبر 2022 أن الملك قد عين أعضاء المجلس الوطني للهيئة الوطنية للنزاهة ، وذكر بلاغ للهيئة المذكورة صدر بتاريخ فاتح نونبر 2022 أن رئيس الهيئة، أشار خلال الاجتماع الأول لها، إلى أن استكمال هياكل الهيئة يشكل، حسبما جاء في بلاغ الديوان الملكي، “خطوة هامة ستمكن الهيئة من ممارسة مهامها واختصاصاتها الدستورية”. جاء ذلك بعد أربع سنوات على التعيين الملكي للرئيس الجديد للهيئة (13 ديسمبر 2018)، وبعد أكثر من أحد عشر سنة من النص عليها في دستور 2011 وبعد أكثر من ست سنوات على إطلاق الحكومة المغربية السابقة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. تلك الاستراتيجية، التي تمتد على مدى 10 سنوات (2015-2025) وتستهدف جعــل الفســاد فــي منحــى تنازلــي إلى حدود النصف؛ وتحســين ترتيب المغرب فــي التصنيفــات الدولية المتعلقة بهذا المجال أملا في تعزيز ثقة المواطنين من جهة، وثقة المجتمع الدولي في المغرب بوصفه بلدا مستقرا، غير متسامح مع الفساد من جهة أخرى. ولكن بالرغم من الوقع الإيجابي لإطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وبالرغم من وجود خطاب ونوايا سياسية سابقة ومعبر عنها باستمرار ومن تشديد الخطاب الرسمي على الجهود المبذولة والبرامج المسطرة والإجراءات المتخذة على كافة المستويات السياسية والقانونية والإدارية، والتي شرع فيها منذ الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في الندوة الوطنية حول دعم الأخلاقيات بالمرفق العمومي المنعقدة بتاريخ 29 أكتوبر 1999، فإن معدلات الفساد في المغرب لم تتراجع. وسجلت حصيلة المغرب في المؤشرات العالمية للفساد جمودا مزمنا بل شهدت تراجعا جديدا في آخر تصنيف لمنظمة الشفافية الدولية أعلن عنه بداية سنة 2023. وهو ما يعكس الطابع المنهجي و”الممأسس” للفساد في الحياة العامة المغربية.

والأمر كذلك، لأن القائمين على سياسات مكافحة الفساد بالمغرب لم يستثمروا بشكل ناجع ومنتج المناخ السياسي الملائم في أعقاب دستور 2011، ومن حالة التعبئة الوطنية ضد الفساد التي تمخضت عن تفاعلات الحراك الشعبي. وظلت تلك السياسات تشكو من غياب رؤية استراتيجية عملية وبعيدة المدى، مجسدة في خارطة طريق محددة الأهداف والمواقيت. وقد تجلى ذلك في تأخر إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي لم يعلن عنها إلا في نهاية عهد حكومة عبد الإله بنكيران (2016-2017)، ولم يشرع في تنفيذها عمليا إلا في سنة 2018، بعد أن تسلم خلفه سعد الدين العثماني رئاسة الحكومة، وقد تم الشروع في تنفيذ تلك الاستراتيجية في ظل الجمود العملي للأداتين المؤسساتيتين الرئيسيتين المفترض فيهما تتبع ومواكبة هذا التنفيذ ألا وهما الهيئة الوطنية للنزاهة بالدرجة الأولى ومجلس المنافسة بالدرجة الثانية، لكن المجلس الاعلى للحسابات هو الذي بقي وحيدا في الساحة وقد انضم إليه كل من وسيط المملكة الذي برز خلال السنتين الأخيرتين.(راجع توصياته بخصوص الجدل حول امتحان المحاماة في محور مرصد الحياة القانونية والمؤسساتية من هذا العدد: ملاحظة هيئة التحرير) وكذا مجلس المنافسة إلى حد ما (تنظر توصياته حول مدى احترام المنافسة في الأداءات الإلكترونية البنكية في مجور مرصد الحياة القانونية والمؤسساتية ممن القسم الفرنسي من هذا العدد: ملاحظة هيئة التحرير ).

مؤشرات الوجود الرمزي للإرادة السياسية
يعلن الخطاب الرسمي أن الدولة تتوفر على الإرادة السياسية لمحاربة الفساد، ويستشهد على ذلك بمضامين الخطب الملكية، والمصادقة على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد؛ ومراجعة الدستور سنة 2011 متضمنا عدة مبادئ ومؤسسات يمكنها تشكيل ما يطلق عليه الإطار المؤسساتي للنظام الوطني للنزاهة؛ والتصريحات والبرامج الحكومية، ومجموعة من الإجراءات التقنية، فضلا عن ترسانة من القوانين. ومع ذلك تعترف الدوائر الرسمية المغربية بصعوبة التقدم العملي ومحدودية النتائج قياسا مع الطموحات.

المصادقة والنشر في الجريدة الرسمية للاتفاقية الإفريقية لمنع الفساد ومكافحته، ومن ضمن مقتضياتها تجريم الإثراء غير المشروع. (المصدر: الجريدة الرسمية عدد 16 بتاريخ 7 مارس 2023).


صحيح، لقد مثل خطاب العرش بتاريخ 29 يوليو 2017، الذي دعا فيه الملك إلى التفعيل الصارم لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”،.نقطة تحول رمزية ومنعطفا سياسيا بارزا في اتجاه العناية بملف مكافحة الفساد، وهكذا وعلى إثر ذلك الخطاب، تم إعفاء عدد من الوزراء والمسؤولين السامين بوزارة الداخلية (http://ar.le360.ma/politique/119837) فيما عرف بملف “برنامج الحسيمة منارة المتوسط”. ويمكن وصف المقاربة التي تم اعتمادها في تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشأن ملف “برنامج الحسيمة منارة المتوسط” بأنها مقاربة مبنية على إعطاء القدوة أو تقديم المثال من أعلى إلى أسفل. ثم أعاد الملك محمد السادس بتاريخ فاتح يوليوز 2018 التأكيد على أن محاربة الفساد ينبغي أن توضع في صميم الأولويات، طالما أنه يشكل أكبر عقبة تعيق جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحد من طموح الشباب من خلال رسالة موجهة إلى القمة الـ 31 للاتحاد الإفريقي، قائلا ما نصه: “الفساد يساهم في الانحراف بقواعد الممارسة الديمقراطية، وفي تقويض سيادة الحق والقانون؛ كما يؤدي إلى تردي جودة العيش، وتفشي الجريمة المنظمة، وانعدام الأمن والإرهاب. ( https://assahraa.ma/web/2018/142642).
أما الحكومة المغربية فقد عملت على عهد بنكيران، على اتخاذ مجموعة من القوانين التشريعية والقرارات التنظيمية، فتم إحداث الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي حلت محل الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة؛ حيث تعززت استقلالية الهيئة واتسعت صلاحياتها لتشمل التحقيق والزجر، وتم تجديد الإطار المؤسساتي لمجلس المنافسة، الذي بات يتوفر على صلاحيات واسعة وتقريرية، بعد أن تمت دسترته على غرار هيئة النزاهة؛ وتم تكليفه بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة. وقامت الحكومة بمراجعة النص القانوني المنظم للصفقات العمومية، بإدخال مجموعة من التعديلات الكفيلة بضمان المزيد من الشفافية وتكافؤ الفرص. ومن جهة أخرى تم تفعيل مجموعة من القوانين التي تتوخى محاصرة الفساد؛ كقانون مكافحة غسل الأموال وقانون التصريح الإجباري بالممتلكات وقانون حماية الضحايا والمبلغين والشهود. وتم الشروع في إصلاح القضاء وتخليق منظومة العدالة، وتحديث الإدارة القضائية (https://www.mmsp.gov.ma/uploads/documents/depliant_LCC.pdf).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...