محمد براو
دكتور دولة في الحقوق
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
باحث مشارك بمركز أبحاث القانون وآفاق القانون بجامعة ليل (فرنسا)
ملحوظة من هيئة التحرير
تتشرف جريدة إيطاليا تلغراف بنشر هذه المقالة العلمية على مدى أربع حلقات، بالاشتراك مع المجلة الأكاديمية المغربية المحكمة “مجلة التدبير والرقابة على المال العام”، التي يديرها الخبير الدولي والباحث الدكتور محمد براو، والتي ستنشرها كاملة في عددها الثاني الذي سيصدر خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
شواهد وأسباب تعثر سياسات مكافحة الفساد
رغم كل الترسانة القانونية والمنظومة المؤسساتية وحزمة الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة، فإن الفساد مازال مستشريا بالمغرب، مخلفا آثارا وخيمة اقتصادية واجتماعية ومعنوية على مستوى صورة المغرب. إذ تقدر الخسائر بما يتراوح بين 5% و7% من الناتج الداخلي الخام، وذلك بإقرار رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني نفسه (جريدة الشرق الأوسط، 29 يوليو 2018، رقم العدد 14488). أي ما لا يقل عن ربع ميزانية الدولة وثلاث مرات ميزانية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. كما شكلت وما تزال موجات الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة وما تفتأ تظهر بين الفينة والأخرى، صدى لعدم الرضا الشعبي بخصوص نزاهة وحسن تدبير الشأن العام بالمغرب. وتؤكد ذلك مجموعة من التقارير الصادرة عن المنظمات الوطنية والدولية وعلى رأسها منظمة ترانسبرانسي الدولية؛ وبحسب آخر تقرير للمنظمة المذكورة صدر سنة 2023، ويهم سنة 2022، سجل المغرب على نتيجة تراجعية جديدة بحصوله على 38 نقطة فقط وجاء في المرتبة ال 94 بين دول العالم المعتمدة في مؤشر إدراك الفساد.
يطرح الترتيب المتدني للمغرب على مستوى مؤشر إدراك الفساد سؤالا رئيسيا بشأن مدى فعالية ونجاعة السياسات التي تم اتباعها في الماضي، وكذا بشأن جدية الإرادة السياسية في محاربة الفساد في المغرب. فالاستراتيجية التي اتبعتها الدولة حتى الآن، تتسم بالسير وفق إيقاع بطيء وبكونها تقوم على التحسيس الفوقي والزجر المناسباتي أو الانتقائي.
بشكل عام، يمكن تحديد عوامل عدم نجاح الاستراتيجية التي اتبعتها الدولة في مكافحة الفساد في العناصر الثلاثة التالية:
1- صعوبة التفعيل العملي للإرادة السياسية المعلنة
2- ضعف تمثل معايير الاستقلال والفعالية والشفافية والمسؤولية من قبل أجهزة الحكامة ومكافحة الفساد؛
3- نقص الموارد وضعف القدرات
1- صعوبة التفعيل العملي للإرادة السياسية المعلنة
تعترض المسار التنفيذي لاستراتيجية الدولة في محاربة الفساد معيقات سياسية بنيوية تعود بشكل أساسي إلى البطء في تفعيل المؤسسات المختصة بمكافحة الفساد وإلى تقاعس وأحيانا اعتراض الأحزاب السياسية في الانخراط فيها ، وإلى غياب التوافق السياسي بشأن أولوية مكافحة الفساد، كما ظهر ذلك واضحا من خلال التعامل الحزبي البرلماني مع مشروع قانون الإثراء غير المشروع.
البطء في تفعيل مؤسسات الحكامة ومكافحة الفساد : إن من تمظهرات جدية الإرادة السياسية سرعة تفعيل مؤسسات الحكامة ومكافحة الفساد، لكن كما سبقت الملاحظة فالهيئة الوطنية للنزاهة المفترض فيها حمل لواء المعركة هي عمليا كانت مجمدة حتى كتابة هذه السطور، بحيث لم يملأ شغور منصب رئيسها إلا في شهر ديسمبر 2018. وتركيبتها لم تكتمل حتى نهاية العام 2022، وذلك على الرغم من دخول قانونها الجديد نظريا حيز التنفيذ. كما أن المقتضيات النهائية لقانونها الأساسي الجديد هي مقتضيات غير كافية فيما يخص سلطات الهيئة وقدراتها على النهوض الفعال بمهمة مكافحة الفساد، حيث سجل فارق واسع بين الصيغة الطموحة للنص الدستوري والصيغة المحتشمة للنص القانوني. وأما مجلس المنافسة، فهو بدوره مجمد وقانونه الجديد غير مفعل، ولم يتم تعيين رئيس جديد له إلا في شهر نونبر 2018، ولم يصدر أي تقرير خلال الفترة المتراوحة بين سنة 2014 وسنة 2021،. بينما كان وجود ودور مجلس المنافسة مطلوبا بإلحاح في سياق تفاعلات ظاهرة المقاطعة لبعض الشركات وكذا خلال الجدل والانتقادات الموجهة للحكومة بخصوص “التعامل الانتهازي” مع ملف أسعار المحروقات. لم يشتغل عمليا إلا مؤخرا ولاسيما بعد صدور قانونه الجديد في نهاية سنة 2021. كما أن جهاز القضاء مازال في طور إعادة البناء والإصلاح والتحديث، وهو يشكو بدوره من ضعف الموارد البشرية ويمر بمرحلة انتقالية يطبعها الارتباك والضبابية على مستوى حكامته الاستراتيجية والإدارية والمالية خصوصا لجهة العلاقة مع وزارة العدل… ولكل ذلك، لم يكن من قبيل المفاجأة أن يؤكد آخر تقرير لمنظمة ترانسبرانسي الدولية نشر في بداية سنة 2023 أن المغرب مازال ضمن الدول التي تعاني من جمود “مزمن” في مؤشر إدراك الفساد بل وقد تراجع القهقرى على نحو كبير خلال سنة 2022 أي في عهد حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش (ينظر الجدول أعلاه).
وقد كان من الطبيعي والحالة هذه، أن ينتج عن هذه التعثرات المؤسساتية اهتزاز للثقة الوطنية والدولية في قدرة المغرب على خوض معركة مكافحة الفساد، حيث يبدو للمراقبين والمهتمين كمن يقوم بخطوات يغلب عليها الطابع الرمزي، هذا مع العلم أن كسب رهان التغلب على الفساد رهين بتوفر أسلحة استراتيجية ثلاثة وهي: الإرادة السياسية الجادة المفعلة من خلال إعداد الشروط المؤسساتية المناسبة ورصد الموارد الكافية وتكوين القدرات المهنية اللازمة. فضلا عن التنسيق والتعاون بين جميع المؤسسات والجهات المعنية.
مقاومة الأحزاب السياسية: منذ أن بدأ المجلس الأعلى للحسابات بنشر تقاريره الرقابية، هاجمت بعض الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة على حد سواء المجلس متهمة إياه بتجاوز اختصاصاته وبسلوك نهج الانتقائية في الرقابة والمحاسبة… فعبد الحميد شباط الأمين العام السابق لحزب الاستقلال سبق له منذ سنة 2008 أن وصم في تصريح مثير قضاة المجلس الجهوي للحسابات بفاس بالإرهابيين (https://www.maghress.com/almassae/9501). فيما عبر الناطق الرسمي لنفس الحزب سنة 2014 عن موقف يتهم المجلس بتجاوز اختصاصاته والتدخل في الشأن السياسي على خلفية الانزلاقات التي كشفها المجلس في تدبير قطاع الأدوية في عهد الوزيرة الاستقلالية ياسمينة بادو (http://ar.le360.ma/politique/12183)، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 2012 قد طرح سؤالا برلمانيا لوزير العدل بخصوص ما أسماه “الانتقائية في الملفات المعروضة على القضاء، والسرعة في البت في بعضها دون الأخرى”، وذلك على خلفية اعتقال القيادي في الحزب خالد عليوة بشأن الانزلاقات المسجلة في تدبيره الإداري والمالي لمؤسسة القرض العقاري والسياحي (http://www.maghress.com/assabah/29957). كما دعا حزب العدالة والتنمية المجلس الأعلى للحسابات إلى اعتماد إستراتيجية واضحة في المراقبة (الاخبار/البيجيدي-يدعو-مجلس-جطو-إلى-اعتماد-إستراتيجية-واضحة-في-المراقبة/https://www.pjd.ma/)، وأعاد الكرة نفس الحزب خلال شهر ديسمبر 2018 متهما رئيس المجلس بالتقييم السياسي لعمل الحكومة (http://www.alyaoum24.com/1185039.html). على خلفية الانتقادات التي تضمنها عرضه السنوي أمام البرلمان، والتي همت سياسات الحكومة في تدبير المديونية والقطاع الاجتماعي. وفي مستوى آخر تحول موضوع مكافحة الفساد إلى موضوع للمزايدات بين الأحزاب السياسية: ففريق الأصالة والمعاصرة عندما كان الحزب الأول في المعارضة، اعتبر أن فشل سياسات مكافحة الفساد هو فشل تتحمله الحكومة وحدها وأحزابها، وأن “الإرادة الحقيقية غير موجودة لديها لمحاربة الفساد”، مذكرا بأن رئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران (2012-2017) سبق له أن صرح أكثر من مرة بأن الفساد يحاربه، وليس هو الذي يحارب الفساد، كما أنه أشهر الراية البيضاء تجاه الفساد (https://m.al3omk.com/134354.html?mobile_switch=mobile). وقد كان لمقولة عفا الله عما سلف التي أدلى بها رئيس الحكومة الأسبق في حوار مع قناة الجزيرة سنة 2012، صدى سلبيا وخلفت موجة من الانتقادات والشكوك حول قدرة الحكومة ورغبتها الفعلية في تحويل التعهدات إلى سياسات عملية ناجعة (https://goo.gl/8ShXoB ).
البرلمان حليف أم خصم للمجلس الاعلى للحسابات؟ : المفترض بداهة أن البرلمان والمجلس الاعلى للحسابات هما في جبهة واحدة وهي الرقابة والمساءلة على المال العام، لكن مناسبة هذا السؤال هو الهجوم الحاد الذي شنه رئيس مجلس النواب الطالبي العلمي، في منتصف سنة 2023، على طريقة عمل المجلس وكيفية صياغة تقاريره، وهو ما يشكل مساسا فاضحا بسمعة المجلس من مؤسسة تشريعية تعتبر من ذوي القربى، و تعديا على استقلال المجلس وخدشا في هيبته، أمام الجمهور والأطراف المعنية صاحبة المصلحة في التعامل مع المجلس الأعلى للحسابات. مما قد يفضي في نهاية المطاف إلى عرقلة عمل المجلس والحد من فعاليته، وهو ما سيصب في طاحونة الجبهة المتحدة ضد جهود مكافحة الفساد ! تلك الجبهة “التي …. تريد من المجلس الأعلى للحسابات أن (…) يضيف المساحيق للحصيلة الفاشلة لبعض الأطراف، من خلال التطبيل والتصفيق والتطبيع مع الفساد والمفسدين”. (ينظر مقال : رشيد الطالبي العلمي يهاجم المجلس الأعلى الحسابات ويظهر حساسية مفرطة اتجاه تقاريره: على الرابط التالي: /الطالبي-العلمي-عفوا-مجلس-الحسابات-مؤس/https://24saa.ma . ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن المعني بالأمر، ووعيا منه ففداحة الضرر الناجم عن تصريحه وعن الخلط الذي وقع له بين مهمته المؤسساتية وانتمائه الحزبي، اضطر أو تم دفعه إلى التراجع عنه وتقديم اعتذار ضمني في مقابلة خاصة أجريت على عجل مع موقع 360 العربي بتاريخ 26 يونيو 2023، قائلا: “المجلس الاعلى للحسابات يعمل حسب ضوابطه ومهماته ويجب احترام المؤسسات !”، للاطلاع على المقابلة المرئية كاملة، ينظر الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=-4Tp4ApOJcI
2- ضعف تمثل معايير الاستقلال والفعالية والشفافية والمسؤولية من قبل أجهزة الحكامة ومكافحة الفساد
رغم ما يبدو من إرادة حسنة تتمثل في مجموعة من المساعي والإجراءات التي قامت بها الدولة والحكومات المتعاقبة، إلا أنها تظل محدودة وغير فعالة. وأحد أهم الأسباب يتجلى في ضعف تمثل المعايير والممارسات الفضلى الدولية المتعلقة باستقلال وفعالية وشفافية ومسؤولية أجهزة الحكامة ومكافحة الفساد، وضعف التواصل والتنسيق فيما بينها وفي علاقاتها مع كل من الحكومة والبرلمان والقضاء. وتتمثل أبرز المعايير “الكامنة”، أي التي لم تتحقق بعد، أو أنها محدودة أو غير مستكملة التفعيل، فيما يلي:
استقلال وفعالية هذه الأجهزة: غياب أو نقص في مقتضيات التطبيق الفعلي لعناصر إطارها القانوني والمؤسساتي؛ والسلطات والصلاحيات الفعلية بالقدر الكافي؛ والحرية الكاملة في وضع البرنامج السنوي والاضطلاع بجميع الوظائف والمهام المخولة لها قانونا؛ والحق الكامل في الولوج إلى المعلومات؛ والحق والواجب في نشر جميع نتائج أعمالها؛ وأخيرا وليس آخرا في الآليات المناسبة لتتبع التوصيات وضمان عدم الإفلات من العقاب بصدد أفعال الفساد المضبوطة.
شفافية هذه الأجهزة ومسؤوليتها: حتى سنة 2022 (بصورة غير مكتملة)، يلاحظ أن هذه الأجهزة لا تنشر استراتيجيتها المحددة الأهداف والميزانية والجدولة الزمنية، ولا تقارير التدقيق المستقل لماليتها؛ والتقييم الخارجي أو بواسطة النظراء لمنجزاتها. كما أنها لا تنشر معلومات مقنعة عن مدى التزامها المعايير المهنية الموضوعية في انتقاء تدخلاتها، مما يغذي الشكوك والتصريحات حول نزاهة هذه التدخلات.
خمس عقبات في الطريق
وهكذا، وبالرغم من أن المغرب يتوفر على العناصر الأساسية لمنظومة معيارية ومؤسساتية عصرية نسبيا، لكن تبقى مسألة الفعالية العملية لمنظومة الحكامة ومكافحة الفساد من أهم أسباب تعثر سياسات محاربة الفساد؛ والتي يمكن تفسيرها من خلال العقبات الخمس التالية:
العقبة الأولى: تعدد الهيئات والأجهزة في غياب إطار مؤسساتي للتنسيق والتعاون ولا سيما بين هيئات الرقابة الداخلية والخارجية (المفتشيات العامة للوزارات والمفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات) من جهة والبرلمان والقضاء من جهة أخرى، وهو ما يصعب إمكانية التنسيق والتواصل الوظيفي المطلوب بين هذه المؤسسات التي تتشارك نفس الهدف الاستراتيجي. لكن، ينبغي التنويه إلى أن الحكومة المغربية السابقة قد أحدثت اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، باعتبارها آلية مؤسساتية جديدة لتنسيق جهود مكافحة الفساد، لكن يلاحظ غياب آلية التواصل بينها وبين المجلس الأعلى للحسابات، لا في مرسومها المؤسس (صدر بتاريخ 23 يونيو 2017) ولا خارج إطار هذا المرسوم. علما أن المجلس الأعلى للحسابات، رغم استقلاله عن الجهاز الحكومي، فإنه يعتبر من أهم أعمدة منظومة النزاهة وفقا للمعايير والممارسات الفضلى الدولية، ويجب عليه أن ينخرط بدوره في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. وعلما كذلك أن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها هي هيئة مستقلة عن الجهاز الحكومي، لكن منصوص عليها في المرسوم المذكور. ومع ذلك، من الملاحظ مؤخرا بداية تحرك تنسيقي بين بعضها انطلاقا من سنة 2022 تحت وقع المطالبات الدولية والرغبة المغربية في مغادرة اللائحة الرمادية فيما يخص الشفافية وغسل الاموال.
العقبة الثانية: شيوع ثقافة رقابية غارقة في النظامية والمطابقة ومبنية على تقديس الوثيقة والقاعدة المكتوبة الشكلية على حساب النتيجة والأداء. وثقافة الأداء المؤسساتي بدورها محدودة الانتشار والتملك، بحيث لا يعرف بالضبط ما هي القيمة المضافة للتوصيات الصادرة عن مؤسسات الحكامة ومكافحة الفساد في تجويد مردودية الإدارة العمومية وفي الحد من تبذير المال العام والاعتداء عليه، في غياب نظم وآليات “قياس الجودة”؛ فالمؤسستان المعنيتان بإصلاح الحكامة الإدارية والمالية (“الوسيط” والمجلس الأعلى للحسابات) مثلا، لم تصدرا أية دراسة تقييمية لفوائد التقارير التي أصدرتاها على مستوى فعالية وآثار الأعمال المنجزة من قبلهما، أي أنهما تقفان عند حد الإفراج عن المخرجات من ملاحظات وتوصيات ولا تتعديان ذلك إلى مستوى تقييم أثر تلك الأعمال وفق مقاربة “القيمة والفوائد (حوار الباحث مع جريدة المساء: عدد 3671 السبت-الأحد 25-26/08/2018)؛ وفي هذا الاطار تعتبر الندوة الصحفية التي يعقدها رئيس مؤسسة الوسيط سنويا تقدما ملفتا للانتباه وجديرا بالإشادة ، لكنها لا ترقى إلى مستوى تقييم التقدم الذي تحرزه المؤسسة ذاتها وتقدير مدى فعاليتها بقدر ما تكون رميا لكرة المسؤولية إلى الجهة الخاضعة لرقابته أي الإدارة العمومية وهو توجه أحادي وغير منصف.
العقبة الثالثة: شفافية محدودة ونتائج دون التوقعات بخصوص عملية إنفاذ القانون بشأن المآلات المخصصة للقضايا المتعلقة بجرائم الفساد المضبوطة والمحالة على القضاء مما يشيع جملة من التساؤلات في أوساط الرأي العام بصدد جدية وديمومة الالتزام بمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
العقبة الرابعة: عدم التمييز بين الملاحظات المتعلقة بسوء تدبير المؤسسات والبرامج والمشاريع العمومية، ، وبين المخالفات والانزلاقات التي تكتسي طابع الجرائم والاختلاسات، فالأولى ينبغي ترتيب جزائها الإداري والسياسي، بينما الثانية ينبغي متابعة مقترفيها جنائيا، الأمر الذي يؤدي للخلط بين مفهوم الحكامة ومفهوم محاربة الفساد http://siteresources.worldbank.org/INTWBIGOVANTCOR/Resources/2-1_Governance_and_Corruption_Kaufmann.pdf أوبين تصحيح اختلالات التدبير وبين زجر الفساد في تدبير الشأن العام، أو بعبارة أخرى بين المقاربة الوقائية والمقاربة الزجرية لسياسات مكافحة الفساد، فالمجتمع يركز على الزجر والجهات الرسمية كانت، ماتزال، تركز على الوقاية، وكأننا أمام خيارين حديين اثنين لا ثالث لهما: إما الإفلات التام من العقاب أو الزجر الجنائي الكلي. http://fr.le360.ma/culture/mohammed-berraou-la-reddition-des-comptes-au-maroc-est-une-revolution-143645.
العقبة الخامسة: المعيقات الثقافية المتمثلة في رسوخ سلوك تطبيعي مع الفساد في الوعي الجمعي لقطاعات معتبرة من المجتمع تعبر عنها مقولات شعبية شائعة من قبيل: (اللي ماعندو فلوس كلامو مسوس)، (اذهن السير يسير)، يزيد في استفحاله الصعوبات التي تعترض إدماج المجتمع المدني في الجهود الرسمية، وشكاوى جمعياته المستقلة والجادة من بعض المضايقات ومن ضعف الموارد والإمكانيات.
نقص الموارد وضعف القدرات
علاوة على مسألة جدية الإرادة السياسية والتحديات المؤسساتية والثقافية، تعتبر مسألة الموارد البشرية والمادية والمالية المناسبة والقدرات المؤسسية والتدبيرية لأجهزة الحكامة ومكافحة الفساد أحد التحديات الأساسية وراء بطء تفعيل سياسات مكافحة الفساد في المغرب. فعلى سبيل المثال، لا يتوفر المجلس الأعلى للحسابات على كم من الموارد البشرية لمعالجة كم هائل من الحسابات والمؤسسات والبرامج والمشاريع العمومية؛ فضلا عن المهام الجديدة المتعلقة بالتصريح بالممتلكات ومراقبة حسابات الأحزاب السياسية أو المتعلقة بالمساعدة للأجهزة الدستورية الأخرى ولا سيما البرلمان. أما الهيئة الوطنية للنزاهة فمقرها الموجود في أحد طوابق بناية بشارع النخيل بحي الرياض بالرباط، يدعو للدهشة والذهول بتواضعه وعدم ملائمته لأهمية ورهبة الرسالة الردعية للمؤسسة المفترض أن ترهب غول الفساد. ومواردها البشرية مازالت في طور التأسيس وتكوين القدرات المهنية في مجالات تستدعي الدقة والخبرة العميقة. ونفس المشكل البشري وفي مجال تكوين القدرات يعاني منه جهاز القضاء…





